كتب البروفسور ميشال فريد الخوري في"اللواء": يبدأ الرهان من بيروت ، ومن قدرة لبنان على مساعدة نفسه قبل أن يطلب من الآخرين مساعدته. فمن الصعب إقناع الخارج بأن يثق بدولة لا تزال تؤجل مواجهة أزماتها. ولهذا، قد يشكل لقاء ترامب فرصة للبنان، لكنه يحمل تحذيراً أيضاً. وقد تقول واشنطن إن مرحلة المساعدات من دون نتائج انتهت. من هنا، لا يُفترض أن يذهب لبنان إلى واشنطن منتظراً من ينقذه؛ فالولايات المتحدة ليست جمعية خيرية، وترامب يتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق المصالح لا العواطف. وسيطلب مقابلاً واضحاً: ماذا يستطيع لبنان أن يقدّم؟ ماذا ستكسب واشنطن؟ وكيف سيسوّق الرئيس الأميركي أي تفاهم مع لبنان في أميركا على أنه نجاح سياسي؟
الرهان على دول الخليج: المشكلة بالنسبة إلى لبنان ليست في حجم المساعدات وحدها، بل في كيفية إعادة الاستثمارات والسياحة ورؤوس الأموال إلى البلد؛ فهذه لن تعود بقرار يصدر عن مؤتمر دولي أو كلام سياسي معسول، بل عندما يقتنع المستثمر والسائح بأن لبنان خرج من دائرة الحروب المفتوحة. وإذا نجح الرئيس في العودة من واشنطن بمسار سياسي يحمي الاستقرار، وخطة جدّية واضحة تعيد سلطة الدولة، فقد تبدأ دول الخليج في النظر إلى لبنان بصورة مختلفة. فعودة السياحة والاستثمار ورأس المال تفوق أي مساعدة مباشرة، لأنها تعيد الثقة التي يحتاجها الاقتصاد. واللبنانيون عانوا طوال السنوات الماضية من مشكلة أعمق من ضعف الاقتصاد: لم يكن أحد يعرف متى تندلع الحرب المقبلة، ولا من يملك قرار إشعالها أو منعها.
مخاطر اللقاء ومهارة التفاوض: لن يخلو هذا اللقاء من حسابات صعبة، فواشنطن قد ترى في تراجع قوة
إيران وحزب الله لحظة مناسبة للضغط على لبنان ورفع سقف الشروط. وقد يجد عون نفسه أمام مطلب نزع السلاح ضمن مهلة قصيرة، أو أمام خطوات لا يحتملها الداخل اللبناني في هذه المرحلة. وفي الوقت نفسه، قد تسعى
إسرائيل إلى ربط أي انسحاب بضمانات أمنية مشدّدة، فيتحول حق لبنان في استعادة أرضه إلى ورقة تفاوضية مشروطة. لذلك، يحتاج الرئيس عون وفريقه إلى مهارة تفاوضية لإثبات
التزام الدولة بحصرية السلاح والسيادة، من دون الظهور كطرف مهزوم يقبل شروط المنتصر. المطلوب أن يدخل عون
البيت الأبيض وهو يعرف تماماً ماذا يريده، وأن يحمل مشروعاً واضحاً يجمع الانسحاب
الإسرائيلي ، وحصر السلاح بيد الدولة، ودعم الجيش، وإعادة الإعمار، وتحريك الاقتصاد، وإعادة الخليج إلى لبنان.
عندها فقط يمكن أن يصبح لبنان مشروع سياسي متكامل، يستطيع ترامب تبنيه وتقديمه في واشنطن على أنه نجاح شخصي له أمام الرأي العام الأميركي.
في النهاية، لن يكون نجاح زيارة الرئيس جوزاف عون مرتبطاً بعدد الصور الملتقطة في المكتب البيضاوي، ولا بنبرة وجمال الكلمات الصادرة عن البيت الأبيض. المعيار هو ما إذا كان الرئيس سيحمل معه إلى بيروت خريطة طريق تتضمّن مواعيد وضمانات والتزامات متبادلة. لبنان اتخذ خطوة متقدّمة حين اختار التفاوض، وعليه أن يقول لواشنطن بصراحة: إذا كنتم تريدون لهذا الخيار أن ينجح، فساعدوا
الدولة على إثبات أن السيادة يمكن أن تُحقّق نتائج إيجابية. قد لا يحمل عون معه اتفاقاً تاريخياً أو عصا سحرية لحل جميع المشكلات، لكنه يستطيع العودة بثلاثة مكاسب تغيّر مسار البلد: التزام أميركي جدي بإنجاز الانسحاب الإسرائيلي، برنامج طويل الأمد لدعم الجيش، ومظلة دولية تفتح باب إعادة الإعمار والاستثمار. فالسياسة الناجحة تقوم على معرفة كيفية توظيف مصالح الآخرين لخدمة مصلحتك؛ وإذا نجح رئيس الجمهورية في إقناع ترامب بأن وجود دولة لبنانية قوية يخدم المشروع الأميركي في المنطقة، فقد تصبح زيارة البيت الأبيض فرصة لنقل لبنان من بلد ينتظر الحرب التالية إلى دولة تحاول بناء قوتها من مؤسساتها لا من توازنات الخارج. لكن الفرص لا تدوم، ويبقى السؤال: إذا عاد الرئيس عون بنتيجة ملموسة، هل سيعرف لبنان كيف يغتنم الفرصة ويحافظ عليها؟