في وقتٍ اتجهت فيه الأنظار إلى جنوب لبنان مع بدء تنفيذ الخطوات الأولى للانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية وفق التفاهم اللبناني -الإسرائيلي برعاية أميركية، كان الجيش اللبناني يواصل في الشمال تنفيذ خطواته الرامية إلى بسط سلطة الدولة على المخيمات الفلسطينية، هذه المرة من بوابة مخيم البداوي في طرابلس.
ففي خطوة ذات دلالة، تسلّم الجيش اللبناني الحاجز العسكري عند المدخل الشمالي للمخيم إضافة إلى موقع تابع لحركة "فتح-الانتفاضة"، على أن يستكمل لاحقاً تسلّم الحاجز عند المدخل الجنوبي، وهما المدخلان الرئيسيان الوحيدان للمخيم.
ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن التحولات التي شهدها لبنان عقب الحرب الإسرائيلية الأولى إسناداً لغزة والثانية إسناداً لإيران، وما رافقها من متغيرات إقليمية ودولية، وصولاً إلى التفاهم اللبناني-الإسرائيلي المباشر برعاية أميركية وما تبعه من قرار رسمي حاسم نحو تعزيز حضور الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيدها.
وأكدت مصادر فلسطينية لـ"النشرة" أن الخطوة تتجاوز إطار الإجراءات العسكرية والأمنية الرامية إلى تعزيز الاستقرار داخل المخيم ومحيطه، لتعبّر عن مستوى متقدم من التنسيق اللبناني-الفلسطيني والتفاهم القائم مع مختلف القوى والفصائل الفلسطينية بما يضمن حفظ الأمن الوطني واستقرار المخيمات.
وأوضحت المصادر أن هذه الخطوة تستند إلى مسارَين رئيسيَّين: الأول يتمثل في قرار الدولة اللبنانية بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية من الجنوب إلى الشمال وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية بما فيها المخيمات الفلسطينية، في إطار التفاهم الذي جرى بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال زيارة الأخير إلى لبنان في 21 أيار من العام الماضي. والمسار الثاني يتمثل في التفاهم المشترك الذي أُنجز بين الجانبَين اللبناني والفلسطيني عقب سلسلة اجتماعات تنسيقية عقدتها مديرية المخابرات في الجيش اللبناني مع ممثلي القوى والفصائل الفلسطينية في منطقة الشمال، حيث جرى الاتفاق على آلية التنفيذ واستكمال الترتيبات المتعلقة بانتقال مسؤولية إدارة الحواجز إلى الجيش اللبناني.
وقد سبق هذه الخطوةَ قيامُ الجيش اللبناني خلال العامَين الماضيَين بإقفال عدد من المداخل والممرات الفرعية المؤدية إلى مخيم البداوي، ومنها مدخل حي خليل الرحمن، وحصر حركة الدخول والخروج عبر المدخلَين الرئيسيَّين، الشمالي الذي بات تحت إشراف الجيش، والجنوبي الذي من المقرر تسلّمه بعد استكمال الترتيبات اللازمة.
وكان الجيش اللبناني قد أبلغ القوى والفصائل الفلسطينية في أواخر كانون الثاني 2026 عزمه على تسلّم الحواجز عند المدخلَين الرئيسيَّين للمخيم، قبل أن يُعقد اجتماع في مطلع شباط بين ممثلي الفصائل ومديرية المخابرات لبحث آلية التنفيذ والترتيبات اللوجستية والإدارية المرتبطة بإدارة الحواجز، أعقبته لقاءات تنسيقية إضافية قُبيل تنفيذ الخطوة بأيام قليلة.
وأشارت المصادر إلى أن تسلّم الجيش للحاجز الشمالي لم يكن إجراءً منفصلاً، بل جاء استكمالاً لمسار تحضيري بدأ من قمة الرئيسَين عون وعباس، مروراً بالتنسيق المشترك بين الجانبَين في منطقة الشمال، وصولاً إلى تسليم حركة "فتح" وفصائل منظمة التحرير السلاحَ الثقيل في البداوي بتاريخ 13 أيلول 2025 ضمن خطة شملت جميع المخيمات على مراحل.
وفي موازاة ذلك، ربطت أوساط لبنانية توقيت هذه الخطوة بالتطورات في منطقة الشمال، ولا سيما مع افتتاح مطار القليعات ، معتبرةً أن تعزيز الاستقرار وتشديد الرقابة على حركة الدخول والخروج من المخيمات يندرجان ضمن الإجراءات الأمنية العامة التي تعتمدها الدولة في هذه المرحلة.
كما تأتي هذه الخطوة بالتزامن مع استئناف لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني برئاسة السفير رامز دمشقية اجتماعاتها الهادفة إلى متابعة الملفات المتعلقة ب اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وفي مقدمتها منح بعض الحقوق المدنية والإنسانية والاجتماعية وتنظيم أوضاعهم القانونية، وآخرها الإعلان عن إصدار بطاقة رقمية للاجئين الفلسطينيين مما يُسهم في تسهيل تنقلهم والحد من عمليات التزوير.
وبتسلّم الجيش اللبناني الحاجزَ الشمالي في مخيم البداوي تكون مخيمات شمال لبنان قد دخلت فعلياً ضمن إطار الإشراف الأمني المباشر للدولة؛ إذ يخضع مخيم نهر البارد منذ سنوات لإجراءات أمنية رسمية، فيما انتقلت مسؤولية إدارة الحواجز في مخيم البداوي من القوة الأمنية المشتركة الفلسطينية إلى الجيش اللبناني وفق الآلية التي جرى التوافق عليها بين الجانبَين.
يُذكر أن حركة "فتح" وفصائل منظمة التحرير كانت قد سلّمت السلاح الثقيل من جميع المخيمات الفلسطينية ضمن خطة متعددة المراحل، بدأت في 21 آب 2025 في مخيم برج البراجنة، ثم شملت في 28 آب مخيمات الرشيدية والبص والبرج الشمالي جنوب الليطاني، تلتها في 29 آب مخيمات برج البراجنة وشاتيلا ومار الياس في بيروت، قبل أن تصل إلى مخيمَي عين الحلوة والبداوي في 13 أيلول، واختُتمت المرحلة الأخيرة في مخيم عين الحلوة بتاريخ 30 كانون الأول 2025. أما باقي المخيمات فليس فيها سلاح ثقيل.
المصدر:
النشرة