إذا كان صحيحا أنّ جزءا من الحرب على إيران يتمثّل في إضعاف نفوذها الإقليمي وتوفير الأرضية المناسبة لتعميم الحلول والخطط الأميركية لكامل منطقة الشرق الأوسط من دون قدرة لأي جهة على الاعتراض، فإنّ الأصحّ أنّ الجانب الآخر لهذه الحرب يتمثّل في مسألة إمدادات النفط. وكما أنّ إيران ترغب في تصدير نفطها لكسب الأموال وتمويل عمليات شراء الأسلحة والصواريخوتصنيعها، ترغب أميركا ومعها كل الدول الخليجية الحليفة باستمرار انسياب النفط من موانئ المنطقة إلى مختلف أنحاء العالم، لأنها تُشكّل عصب قوّتها المالية ونفوذها الإقليمي وقدرتها على شراء الأسلحة الأكثر تطوّرًا أيضًا. فماذا عن تفاصيل حروب النفط في المنطقة بين الأمس واليوم؟
استعمال حظر امدادات النفط كسلاح ليس جديدا في الحروب، وقد تمّ اللجوء إليه خلال ما يُسمّى "حرب الأيام الستة" في حزيران 1967 عندما أعلنت مجموعة من الدول العربية منع مرور شحنات النفط إلى الدول الداعمة لإسرائيل، وتحديدا الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا. لكن هذه المحاولة فشلت في تحقيق هدفها آنذاك بسبب غياب التنسيق المنظم، واللجوء إلى خيارات إمداد بديلة عن الدول الخليجية، لينتهي الحظر في أيلول من العام نفسه. وفي حرب تشرين الأول من العام 1973، تكرّرت المُحاولة مُجدّدا بشكل فعّال هذه المرّة، حيث قرّر وزراء منظمة الدول العربية المُصدّرة للبترول استخدام "سلاح النفط" رسمياً للضغط على الغرب. وقد جرى منع تحميل الناقلات المتجهة إلى أميركا ودول أخرى تدعم إسرائيل، بموازاة خفض الإنتاج بنسبة 5% شهريا. وقد أحدث هذا القرار صدمة اقتصادية عالمية، وارتفعت أسعار الوقود أربعة أضعاف مُتسبّبة بأزمة طاقة تاريخية في الغرب. ومنذ ذلك الحين بدأت الحروب الأميركية والغربية للسيطرة على مصادر ومنابع النفط في العالم. وما يجري في الشرق الأوسط اليوم يندرج تحت هذا العنوان حيث أنّ الهم الأساسي يتمثّل في إبقاء امدادات النفط مُيسّرة، وهو ما يعمل النظام الحاكم في إيران جاهدا على عرقلته، عبر ضرب السفن التي تمرّ في مضيق هرمز من دون إذنه، وكذلك عبر استهداف الدول الخليجية المُصدّرة للنفط بغرض تقوية موقعه التفاوضي، ومنع تطبيق حظر التصدير على إيران وحدها، والأهم التسبّب بأزمة طاقة عالمية.
إشارة إلى أنّ السعودية تحتلّ المركز الأوّل في القدرة على تصدير النفط مع نحو 7 إلى 8 مليون برميل يوميا، يليها العراق مع نحو 3.5 مليون برميل، ثم دولة الإمارات مع نحو 3 ملايين برميل يوميا. واللافت أنّ إيران تتموضع في المرتبة الرابعة ضمن هذه اللائحة بقدرة تصدير تتراوح ما بين 1.5 مليون برميل ومليوني برميل يوميا، تبعا لتغيّر نمط العقوبات المفروضة عليها. ويجعلها هذا الرقم موازية للكويت في القدرة التقريبية على تصدير النفط، ومُتقدّمة على قطر و سلطنة عمان اللتين يقلّ حجم تصدير كلّ منهما اليومي للنفط عن مليون برميل يوميا. وبما أنّ المجموع الإجمالي للدول المذكورة أعلاه يبلغ ما بين 18 و21 برميل نفط يوميا، أي نحو 20 % من الاستهلاك العالمي للنفط، يُصبح مفهوما حجم الاهتمام الأميركي والغربي بهذه المنطقة الجغرافية من العالم.
وإذا كان الردّ الأميركي على استهداف إيران للسفن التي تمرّ في مضيق هرمز يتمثّل بقصفها وبإعادة فرض الحصار على موانئها وعلى نفطها، فإنّ دولا عدة بدأت تعمل ميدانيا على تأمين البنية التحتية لإيجاد ممرات تصدير أخرى لمشتقّاتها النفطية، ولو بعد حين. وفي هذا السياق، تعمل السعودية بوتيرة مُتسارعة على تطوير
خط أنابيب النفط الخام "بترولاين"، الذي يمتد لمسافة 1,200 كيلومتر، من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وهو أهم بديل موجود لتجنّب العبور بهرمز. أمّا الإمارات فتُعوّل بدورها على خط "أدكوب" الذي يمتد لمسافة 400 كلم، من حقول "حبشان" في أبوظبي إلى "ميناء الفجيرة" المطل على خليج عُمان خارج المضيق أيضا.
ويملك العراق من جهته خيارات متعدّدة للاستغناء عن هرمز، مثل إعادة تشغيل وتوسيع الخط الممتدّ من كركوك إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، وخط البصرة إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، وإحياء مشروع خط كركوك إلى مرفأ بانياس السوري على البحر الأبيض المتوسط. في المقابل تفتقر كلّ من الكويت وقطر والبحرين إلى خطوط تصدير رئيسية تتجاوز مضيق هرمز، ولذلك ما زالت تعتمد عليه بدرجة كبيرة، خاصة قطر التي تُصنّف دولة عملاقة في تصدير الغاز الطبيعي المسال.
إشارة إلى أنّ عودة الحصار الأميركي على موانئ إيران لا يعني منعها كليًا من تصدير النفط، لأنّ طهران طوّرت على مدى السنوات الطويلة الماضية سلسلة من التدابير الرامية إلى الالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة عليها، وهي نجحت في السابق في كسر الحصار جزئيًا. وفي هذا السياق، عمدت إيران في المرحلة الماضية إلى استخدام ناقلات نفط قديمة مملوكة عبر شركات وسيطة يصعب ربطها بها، وإخفاء مسار الناقلات عبر التلاعب والتشويش بنظام تتبع السفن، ونقل النفط من سفينة إلى أخرى في البحر، وتزوير الوثائق التي تُظهر منشأ الشحنة، وبيع النفط بأسعار متدنّية جدا لجذب مُشترين يطمحون لتحقيق أرباح كبيرة ومُستعدّين للمخاطرة بالتعرض لعقوبات، واستعمال عملات غير الدولار واعتماد مبدأ مقايضة النفط بسلع ومنتجات مختلفة. وستُحاول إيران الراغبة بالتفلّت من الحصار في المرحلة الراهنة مواصلة تطبيق هذه الأساليب، علما أنّ الوجود العسكري الأميركي الكثيف في محيط شواطئها يُصعّب المهمة بشكل كبير عليها.
في الخلاصة، النفط سلاح أشد وقعا من غارات الطائرات والصواريخ الباليستية وكل أنواع الأسلحة، حيث يُمثّل شريان حركة العالم. من هنا، لا مُساومة من جانب واشنطن أو طهران إزاء مسألة قطع عمليات التصدير والإمداد، حتى ولوّ تعرقلت المفاوضات بينهماوانهار وقف النار كليًا. فالأمر عبارة عن حياة أو موت!
المصدر:
النشرة