منذ اللحظة التي وُقّع فيها "اتفاق الإطار"، انقسم اللبنانيون بين من رأى فيه نافذة واقعية للخروج من الحرب، ولو بشروط غير مثالية، وبين من اعتبره مجرد هدنة سياسية قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني. واليوم، وبعد مرور فترة على توقيعه، يبدو أن الامتحان الحقيقي لم يعد سياسياً، بل أصبح عسكرياً وأمنياً، لأن الاتفاق لا يُقاس بما كُتب في نصوصه، بل بما يُنفذ على الأرض.
فالسياسة، بطبيعتها، تقوم على التسويات وعلى البحث عن الممكن، فيما يتحكم الميدان بمنطق مختلف، تحكمه الحسابات الأمنية وموازين القوى والوقائع التي تفرضها الأطراف المتنازعة. وبين هذين المنطقين، يجد "اتفاق الإطار" نفسه أمام أول اختبار جدّي لقدرته على الصمود.
من الناحية
اللبنانية ، ثمة قناعة بأن الاتفاق، رغم كل الملاحظات عليه، كان الخيار الأقل كلفة في لحظة كانت البلاد تتجه فيها نحو حرب مفتوحة، وأن وقف العمليات العسكرية كان أولوية وطنية، حتى لو جاء ذلك عبر تفاهم لا يحقق جميع المطالب اللبنانية دفعة واحدة. وقد عبّر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عن هذه المقاربة عندما وصف الاتفاق بأنه "ليس مثالياً"، لكنه اعتبره الخيار المتاح لتجنيب
لبنان مزيداً من الدمار، داعياً معارضيه إلى تقديم بديل عملي يحقق النتائج نفسها.
في المقابل، تتعامل
إسرائيل مع الاتفاق من زاوية مختلفة. فهي تنظر إليه بوصفه جزءاً من ترتيبات أمنية أوسع، وتربط تنفيذ بعض بنوده بتقديرها للوضع الميداني، وهو ما يفسر، من وجهة النظر اللبنانية، البطء في تنفيذ الانسحابات والإجراءات الأولى. وهذا التباين في فهم آليات التنفيذ هو الذي يضع الاتفاق تحت ضغط متزايد.
غير أن العقدة الأساسية لا تكمن فقط في السلوك
الإسرائيلي ، بل أيضاً في طبيعة الاتفاق نفسه. فهو لم ينهِ أسباب النزاع، ولم يحسم الملفات الخلافية، بل وضع إطاراً لإدارة مرحلة انتقالية يفترض أن تبنى عليها خطوات لاحقة. وهذا يعني أن نجاحه يبقى رهناً بإرادة الأطراف في احترام الالتزامات، وبقدرة الوسيط الأميركي على منع أي طرف من الانقلاب على ما تم التوافق عليه.
هنا تحديداً يبرز الدور الأميركي. فواشنطن لم تكن مجرد راعٍ للمفاوضات، بل أصبحت، بحكم الواقع، الضامن السياسي لمسار التنفيذ. وبالتالي، فإن أي تعثر طويل الأمد لن ينعكس على الاتفاق وحده، بل سيطرح تساؤلات حول فعالية الضمانات الأميركية، وحول قدرة
الولايات المتحدة على ترجمة نفوذها السياسي إلى نتائج ميدانية.
وفي الداخل اللبناني، تتجاوز تداعيات الاتفاق البعد الأمني. فنجاحه أو فشله سيرسم جزءاً كبيراً من صورة العهد، وسيؤثر في مسار إعادة الإعمار، وفي استعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي، وفي قدرة
الدولة على فرض حضورها في الجنوب. لذلك، لم يعد "اتفاق الإطار" مجرد ملف حدودي، بل أصبح اختباراً لمدى قدرة الدولة اللبنانية على إدارة واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخها الحديث.
لكن، في المقابل، لا يبدو من الواقعي الحكم على الاتفاق بالفشل لمجرد أن تنفيذه يواجه عراقيل. فمعظم الاتفاقات التي تُبرم بعد النزاعات الكبرى تمر بمراحل شد وجذب، وتتعرض لمحاولات تفسير مختلفة من قبل الأطراف المعنية. والسؤال ليس ما إذا كانت العراقيل موجودة، بل ما إذا كانت ستتحول إلى عائق دائم، أم أنها ستدفع الأطراف، تحت ضغط الوساطة الدولية، إلى استكمال التنفيذ.
فـ "اتفاق الإطار" يعيش اليوم بين عالمين: عالم السياسة، الذي يرى في التسوية خطوة ضرورية ولو كانت ناقصة، وعالم الميدان، الذي لا يعترف إلا بالوقائع العسكرية والأمنية. وبين هذين العالمين، يتحدد مستقبل الاتفاق، لا في قاعات التفاوض، بل في الجنوب، حيث سيحكم الواقع على النص، وستكون الوقائع أقوى من الوعود.
فإذا نجح الاتفاق في تجاوز امتحانه الأول، قد يتحول إلى مدخل لاستقرار طويل الأمد. أما إذا بقي التنفيذ رهينة الحسابات الميدانية والمماطلات المتبادلة، فإن الخطر لن يكون سقوط الاتفاق بقرار رسمي، بل تآكله تدريجياً، إلى أن يفقد قيمته السياسية ويصبح مجرد وثيقة تضاف إلى أرشيف المحاولات غير المكتملة في تاريخ الصراع اللبناني – الإسرائيلي.