يقترب لُبنان من محطة تشريعية نادرة، بعد مسار امتد أكثر من 16 عاما، وأكثر من 60 جلسة عمل داخل اللجان النيابية المُختصة، وقد بات اقتراح قانون الإعلام الجديد على أعتاب التطبيق، ليُنهي عهد نُصوص تعود جُذورها إلى العام ١٩٦٢، أي إلى مرحلة لم يكُن فيها لا إعلام إلكترونيا، ولا منصات رقمية، ولا وسائل تواصُل اجتماعي.
ففي باب الحُقوق والموجبات، ورد في النُسخة الأخيرة من قانون تنظيم الإعلام، أن "الشركة اللبنانية الوطنية للاعلام ش. م. ل.، تحل بالحُقوق والموجبات، مكان المُديريات المُلغاة، وتُعتبر مُعدلة حُكما، ومن دون الحاجة إلى صُدور قانون خاص جديد، المادة الرابعة من المرسوم الاشتراعي رقم 25 تاريخ (1983)، (تنظيم وزارة الإعلام)، بحيث تُلغى المُديريات الآتية:
1 –مُديرية الإذاعة
2 –الوكالة الوطنية للاعلام
3 –مُديرية الدراسات والمنشورات اللبنانية".
ولقد أُقر مشروع تنظيم الإعلام في لبنان الأُسبوع الماضي، في اللجان المُشتركة، باستثناء ما له صلة بـ"تطوير شركة ( تلفزيون لبنان ش. م. ل.)، وما يتضمنُه من بُنود تُشكل هواجس لدى المُتعاملين مع وزارة الإعلام، لناحية حُقوقهم الوظيفية وتعويضات نهاية الخدمة...
وبدلا من ذِكْر التحفيزات لمن يُضطر من المُتعاملين - بعد كُل هذا التحول الوظيفي الكبير - إلى الحُصول من "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي" على تعويض نهاية الخدمة، فقد اكتفى مشروع قانون تنظيم الإعلام الجديد بتعويضات عادية، خلافا على ما نصت مشاريع سابقة، لإلغاء وزارات، في عهد رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، لم تُبصر النور.
وبعبارة أخرى، فإن مَن قضى في الخدمة 40 سنة مثلا، في الفئة الثالثة، وبات راتبه الأصلي نَيّفا وثلاثة ملايين ليرة لبنانية (أي ما كان قبل انهيار 2019 يُوازي ألفي دولار أميركي، وبات اليوم يوازي 33،51 دولارا فقط)، يبلغ تعويضه الآن، وبعدما فنى عمره في وزارة الإعلام، 1،340 دولارًا لا غير!.
حتى أن هواجس المتعاملين بلغت حدًا عبَّر عنه أحدهم بالقول، رافضا ذكر اسمه: "هل سيتم إعلان بازار البطيخ في وزارة الإعلام؟... الراس بـ 1،300 دولار؟ (في إشارة إلى تعويض نهاية الخدمة).
وأما الخيار المُجحف الثاني لدى المُتعاملين، فيُتيح لهم "إمكان" أن يطلبوا ضمهم إلى وزارة أُخرى، عبر مجلس الخدمة المدنية. وعلى رُغم الشواغر في عدد مِن وزارات الدولة، إلا أن أحدا لا يضمن للمُتعاقدين أن ينالوا مُرادهم. فقد يبلُغون السن القانونية لنهاية خدمتهم، قبل أن يُدبر مجلس الخدمة عملا لهم...
وصولا إلى الخيار الثالث، القائم على إمكان انضمام المُتعاملين إلى "الشركة اللُبنانية الوطنية للاعلام"، غير أن شيئا لا يضمن حقوقهم أيضا، بخاصة وأن عُقودا جديدة تُفرض عليهم في هذه الحال، وعليهم الرُضوخ بكُل ما قد تتضمنُه... وحتى إن قبلوا بها، فلا شيء يضمن تجدُد هذه العُقود في السنة اللاحقة!.
وأما على صعيد تأثير أي قانون جديد في الاقتصاد اللبناني، فيُكتَفى بما أورده الدكتور فؤاد زمكحل، في مقالة له نُشرت في مواقع إلكترونية عدة في 26 أيار 2026، وفيها: "... إنّ مُعظم المُستثمرين والاستثمارات هرب من لبنان، جرّاء تدهور الثقة، الرؤية الضبابية للمستقبل، وزيادة المخاطر، حتى أنّ العبارة الشهيرة التي تقول: High risk, high return، أي (المُخاطرة العالية، عائد مرتفع)، لن تُطبَّق في لبنان، حيث المخاطر عالية، ولكن العائدات ضئيلة".
وتاليا كيف ستتظهر صورة لُبنان اقتصاديا، إذا تخلت وزارة الإعلام عن نحو 350 متعاقدا، وتركتهُم لمصيرهم، مِن دون حُقوق... أو إذا أطاحت بحُقوقهم، بشطبة مشروع يحمل عنوانا عريضا هو: "تنظيم الإعلام"؟.
القصيفي
عمليا، لا يُخفي نقيب المُحررين جوزيف القصيفي ، تخوفه من عدم حُصول الصحافيين المُتعاملين على حقوقهم. وكذلك يخشى أن يتنسحب هذا المشروع غير المُكتمل الدراسة، لناحية حُقوق الموظفين، على قطاعات أُخرى، وبالتالي أن يُشكل سابقة بالغة الخُطورة إجتماعيا!. ويرى أن المشروع الذي أُشبع دراسةً، منذ العام 2004، من دون أن يتضمن في بداياته بنودا ذات صلة بإلغاء مُديريات وزارة الإعلام الثلاث، يستحق إعادة النظر فيه الآن، من زاوية حُقوق المُتعاملين.
تلك الحُقوق التي يُؤكد عليها وزير الإعلام الدكتور بول مُرقص -وهو مصدر ثقة من المُتعاقدين- تبقى غير مذكورة صراحة في متن مشروع تنظيم الإعلام الجديد. ويرى هؤلاء أن "الوزراء يتغيرون فيما النُصوص قابلة للاجتهاد"!.
الدكتور معلوف
ويرى المحامي الدكتور كميل حبيب معلوف ، في مقالة عنوانها: "قانون الإعلام اللبناني الجديد بين تحديث التشريع وضمانات العاملين في القطاع"، صدرت في 11 تموز 2026، أن "الاستحقاق الإعلامي يستدعي تحليلا قانونيا موضوعيا، بمعزل عن أي اصطفاف، لفهم أبعاده الحقيقية".
ويضيف أن "البُعد الذي يغيب غالبا عن النقاش هو حقوق العاملين في القطاع العام الإعلامي. ومن المبادئ الراسخة في القانون الإداري أن التعديل التشريعي لا يجوز أن يتحول إلى أداة للمس بالحُقوق المُكتسبة للمُوظفين، سواء أكانوا خاضعين لنظام الوظيفة العامة، أو لعُقود عمل في مُؤسسات عامة ذات طابع خاص. فالمُوظف الذي دخل السلك الوظيفي وفق شروط قانونية مُعينة، وراكم خبرة وأقدمية على أساسها، يتمتع بضمانات لا يجوز تجاوزها لمُجرد صُدور نص جديد يُنظم القطاع. وهذا ينطبق بداهة على العاملين في وزارة الإعلام و الوكالة الوطنية للإعلام وتلفزيون لبنان، الذين شكلوا عبر عُقود الذاكرة المُؤسسية للإعلام الرسمي اللبناني. وأيا تكن الصيغة النهائية للقانون، يبقى من الضروري أن يتضمن، هو أو القرارات الإدارية المواكبة له، أحكاما انتقالية صريحة تحفظ مُكتسبات العاملين الحاليين، لأن استقرار الوضع الوظيفي شرط أساسي لاستقلالية الأداء الإعلامي نفسه".
ويختُم معلوف: "مستقبل الإعلام في لبنان يُبنى على مُعادلة مُزدوجة: تشريع عصري يُواكب التحول الرقمي ويُحرر العمل الصحافي من إرث تراكمي مِن المُلاحقات، مع ضمانات دقيقة تمنع أي التفاف على مبادئه، واستقرار وظيفي يحفظ حُقوق كُل من ساهم، من موقعه، في صون الرسالة الإعلامية الرسمية للبنان. فالقانون الجيد لا يكتفي بصياغة المُستقبل، بل يُحسن أيضا إدارة الانتقال إليه بعدالة وشفافية".
جلسة مصيرية!
وفي المُحصلة، ينظر المُتعاملون في وزارة الإعلام إلى الجلسة التشريعية العامة، هذا الأسبوع، لمُناقشة جدول أعمال حافل وإقراره، يتضمن ما لا يقل عن 38 مشروعا واقتراح قانون.
وعُلم أن من القوانين المُتوقع أن تكون مُدرَجة، مشروع قانون فتح اعتماد إضافي، في مُوازنة 2026، بقيمة 56 ألف مليار، و500 مليار ليرة، لزيادة 6 رواتب للقطاع العام، وللمُتعاقدين العسكريين والمدنيين.
والجدير ذكره أن مجلس الوزراء كان أقر هذه الزيادة في شباط الماضي، على أن تُحتسب اعتبارا من 1 آذار الماضي...
وبين القوانين المُتوقع إدراجها على جدول أعمال الجلسة أيضا، قانون الإعلام الذي درسته اللجان المُشتركة الخميس الماضي، واقتراح قانون آخر يرمي إلى إخضاع أوضاع المُتعاقدين مع وزارة الإعلام، لشُرعة التعاقد.
وعليه، هل تُنزَع صبغة "بازار البطيخ"، عن قانون الإعلام الجديد؟.
المدير العام لوزارة الإعلام الدكتور حسان فلحة ، المُتابع بجدية مُطلقة للملف، يَعد المُتعاقدين خيرا...
المصدر:
النشرة