آخر الأخبار

إعمار الجنوب... توافق وطني أم ساحة اشتباك سياسي جديدة؟

شارك
لا شكّ في أن إعادة إعمار الجنوب مسألة مرشحة لأن تكون أحد أكبر الاختبارات التي ستواجه السلطة اللبنانية في مرحلة ما بعد الحرب. فالنجاح في تحويلها إلى مشروع وطني جامع قد يفتح الباب أمام مرحلة من التهدئة الداخلية واستعادة الثقة بالدولة، أما الفشل فقد يجعلها عنواناً جديداً للصراع السياسي والطائفي.

وتشير أوساط سياسية إلى أن هناك قناعة شبه جامعة بضرورة الإسراع في إعادة الأهالي إلى قراهم وتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم، لكن التوافق يبدأ بالتراجع عندما ينتقل النقاش إلى الأسئلة العملية كمثل من سيتولى إدارة أموال الإعمار، ومن سيحدد الأولويات، وهل ستكون الدولة المرجعية الوحيدة، أم ستشارك هيئات وصناديق وجهات أخرى في التنفيذ؟

وتزداد حساسية هذا الملف لأن المجتمعين العربي والدولي يربطان أي مساهمة مالية بمعايير واضحة، أبرزها الشفافية، والحوكمة، ودور المؤسسات الرسمية. وهذا يعني أن أي آلية لا تحظى بثقة المانحين قد تؤخر وصول الأموال أو تحد من حجمها.

في المقابل، ترى قوى سياسية أن الجنوب لا يحتمل انتظار التجاذبات، وأن المطلوب هو إطلاق ورشة الإعمار بأسرع وقت، مع إيجاد صيغة تضمن مشاركة الدولة والسلطات المحلية والجهات المعنية، من دون أن تتحول العملية إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.

ويذهب بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن ملف الإعمار قد يشكل فرصة نادرة لإعادة الاعتبار لدور الدولة، إذا نجحت في إدارة التمويل بشفافية وكفاءة، وأثبتت أنها قادرة على أن تكون المرجعية الوحيدة لإعادة البناء. أما إذا عاد منطق المحاصصة والخلاف على توزيع المشاريع والاعتمادات، فقد يتحول الإعمار من فرصة للإنقاذ إلى سبب جديد للانقسام.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ملف الإعمار عن مسار الإصلاحات الاقتصادية والإدارية. فالدول المانحة لا تنظر إلى إعادة البناء كعملية إسمنت وحديد، بل كجزء من مشروع أشمل لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على إدارة المال العام.

إلاّ أن أوساطاً مالية ودبلوماسية تكشف بأن ملف إعادة الإعمار عاد إلى واجهة الاهتمام الدولي هذه المرة وفق مقاربة تختلف عن التجارب السابقة، إذ لم يعد المجتمع الدولي يفصل بين إعادة البناء والإصلاحات البنيوية التي يطالب بها لبنان منذ سنوات.

وبحسب المعلومات، فإن عدداً من المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة أنجز أو ينجز حالياً تقديرات أولية لحجم الأضرار والكلفة المحتملة لمرحلة الإعمار، إلا أن هذه الدراسات تبقى في إطار التحضير التقني، فيما لا يزال القرار السياسي والمالي بإطلاق برامج التمويل مرتبطاً بتوافر مجموعة من الشروط.

وتؤكد المصادر أن الرسالة التي تبلغها المسؤولون اللبنانيون من أكثر من عاصمة عربية وغربية تكاد تكون واحدة، وهي أن المساعدات لن تكون هذه المرة غير مشروطة. فالدول الراغبة في دعم لبنان تعتبر أن إعادة الإعمار يجب أن تشكل مدخلاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الشفافية، لا مجرد عملية لترميم ما دمرته الحرب.

وفي هذا الإطار، تبرز ثلاثة عناوين تعتبرها الجهات الدولية مترابطة. الأول، تثبيت الاستقرار الأمني ومنع أي عودة للتصعيد العسكري، باعتبار أن أي استثمار أو تمويل يحتاج إلى بيئة مستقرة. والثاني، إطلاق إصلاحات إدارية ومالية جدية، ولا سيما في القطاعات التي لطالما شكلت محور ملاحظات المؤسسات الدولية. أما الثالث، فهو وجود إدارة لبنانية موحدة وقادرة على وضع أولويات واضحة لعملية الإعمار بعيداً من التجاذبات السياسية.

وتشير الأوساط إلى أن المجتمع الدولي لا يريد تكرار تجارب سابقة، حيث خُصصت أموال لإعادة الإعمار من دون أن تترافق مع إصلاحات مستدامة، الأمر الذي حدّ من أثرها الاقتصادي والإنمائي. ولذلك، فإن أي مؤتمر دولي محتمل لدعم لبنان، إذا عُقد، سيضع الإصلاح في صلب شروطه، تماماً كما سيضع الاستقرار الأمني في مقدمة أولوياته.

وفي المقابل، ترى مصادر اقتصادية أن لبنان يملك فرصة قد لا تتكرر بسهولة. فإذا نجحت الدولة في تثبيت الهدوء، وأظهرت إرادة سياسية في تنفيذ الإصلاحات، فإن إعادة الإعمار قد تتحول إلى رافعة لإعادة تنشيط الاقتصاد، وجذب الرساميل اللبنانية والعربية، وإطلاق مشاريع بنى تحتية توفر فرص عمل وتعيد الثقة تدريجياً.

لكن هذه المصادر تحذر من أن الفرصة قد تضيع إذا عاد الانقسام السياسي إلى تعطيل القرارات الأساسية، أو إذا بقيت الإصلاحات أسيرة التجاذبات الداخلية. فالمجتمع الدولي، بحسب تعبيرها، لم يعد يكتفي بالوعود، بل يريد رؤية خطوات عملية قبل فتح صناديق التمويل.

إن معادلة المرحلة المقبلة باتت واضحة، وهي أن لا إعادة إعمار من دون استقرار، ولا استقرار اقتصاديا من دون إصلاح، ولا إصلاح فعليا من دون دولة قادرة على إدارة المرحلة بثقة وكفاءة.

إلاّ أن السؤال الحقيقي ليس من سيمول إعادة إعمار الجنوب، بل من سيدير هذا التمويل، وبأي قواعد؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان الإعمار سيصبح نقطة التقاء بين اللبنانيين، أم محطة جديدة في مسلسل التجاذبات الذي رافق معظم الملفات الكبرى في العقود الماضية.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا