لم يعد السؤال المطروح في الجنوب مقتصراً على موعد الانسحاب ال إسرائيل ي، ولا على عدد الوحدات التي سينشرها الجيش ال لبنان ي في " المناطق التجريبية ". فمع كل عائلة تعود إلى قريتها الجنوبية لتنظيف الركام أو فتح محل أُقفل منذ أشهر، يظهر امتحان آخر لا يقل أهمية عن أسئلة الانسحاب والسلاح وانتشار الجيش: من سيُعيد بناء هذا الجنوب فعلياً؟ من سيُرمّم المنزل، ويفتح المدرسة، ويُصلح الطريق، ويمنح العائد القدرة على البقاء؟
فبينما تتركز الأضواء على "المناطق التجريبية" وتوقيت تسلّم الجيش اللبناني لها، تتقدّم على الأرض حركة عودة تسبق في الغالب أي خطة إعمار ممولة وجاهزة للتنفيذ. إذ تشير المعطيات الرسمية إلى عودة نحو 400 ألف نازح إلى الجنوب رغم تضرر منازل عدد كبير منهم، في وقت لا تزال بعض القرى تفتقر إلى أبسط الخدمات ولا يزال مئات الآلاف عاجزين عن العودة بسبب الدمار أو تعذّر الوصول إلى منازلهم.
واللافت أن بعض العائدين يعيشون في غرفة واحدة داخل منزل متضرر، فيما يواصل آخرون دفع إيجار منزل بديل تحسباً لتجدّد القتال. وتتحدث الحكومة عن مساعدات إيوائية وبدلات إيجار ودعم لترميم الأضرار الخفيفة، لكن خطة التمويل الشاملة لا تزال غير واضحة أمام حجم دمار يشمل آلاف المباني وملايين الأمتار المكعبة من الركام، إضافة إلى شبكات كهرباء ومياه وطرقات تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة. لذلك لا تعني العودة الحالية أن الحياة استعادت انتظامها، بقدر ما تكشف تمسّك السكان بأرضهم رغم هشاشة الهدوء وغياب الضمانات.
وهنا تنتقل معركة الجنوب من الميدان العسكري إلى ميدان الشرعية. فقد تتمكن الدولة من نشر الجيش وتسلّم مواقع تنسحب منها إسرائيل، لكن هذا الإنجاز يبقى ناقصاً إذا لم تنجح في استعادة ثقة المجتمع أيضاً، وظلّ الناس يعتمدون على غيرها في تفاصيل حياتهم اليومية. فالسيادة لا تُقاس فقط بمن يرفع العلم عند الحدود، بل أيضاً بالجهة التي يلجأ إليها المواطن حين يطلب تعويضاً أو دواءً أو سقفاً يحمي أسرته. ومن ثَم، فإن الجهة التي تمنح الناس القدرة على البقاء قد تُصبح في الوعي الاجتماعي أكثر حضوراً من الجهة التي تتولى الأمن، فتتشكّل سيادتان متوازيتان: سيادة رسمية عند الحواجز، وسيادة اجتماعية عند أبواب البيوت.
الجيش يستعيد الأرض... فمن يستعيد الحياة؟
لم يفصل اتفاق واشنطن ، من حيث المبدأ، بين الأبعاد الأمنية والاجتماعية في "المناطق التجريبية"؛ إذ يُفترض أن تشهد هذه المناطق انسحاباً إسرائيلياً وانتشاراً للجيش اللبناني وحصراً للسلاح بيد الدولة وعودة للسكان وانطلاقاً للإعمار ضمن مسار متكامل. غير أن التطبيق يكشف انفصالاً متزايداً بين هذه المسارات؛ إذ يبدو الشق الأمني أكثر استعجالاً، فيما تبقى العودة والإعمار رهن التمويل والقرارات السياسية.
وعلى الأرض لا يبدو الأمر بهذه البساطة؛ فحين يرفع الجيش العلم اللبناني فوق موقع مستعاد لا يعني ذلك تلقائياً أن المدرسة أُعيد ترميمها أو أن شبكة المياه عادت إلى الخدمة أو أن العائلة التي فقدت منزلها وجدت مسكناً بديلاً. والخطر الفعلي يكمن في أن تدخل الدولة إلى الجنوب بوصفها سلطة أمنية فقط، فتما تبقى البلديات عاجزة والخدمات متوقفة والمواطن معتمداً على المساعدات الخاصة. عندها لن يشعر السكان بأن الدولة استعادت منطقتهم كاملاً، بل بأنها تولّت المهمة الأمنية التي فرضها الاتفاق فيما تركت حاجاتهم اليومية معلّقة، دون أن تتحمل مسؤولية إعادة الحياة.
وفي هذه الحالة قد ينشأ عملياً نوعان من الحضور: حضور رسمي يتجسّد في الجيش والإدارة، وحضور اجتماعي تملكه الجهة التي تُعوّض وتؤوي وتفتح المدرسة والمستوصف. ولا ينتقص هذا من أهمية انتشار الجيش فهو أساس أي استعادة فعلية للسيادة، لكن المؤسسة العسكرية لا تستطيع وحدها حمل العبء كاملاً؛ إذ مهمتها حماية الأرض ومنع استخدامها خارج قرار الدولة، في حين تستلزم استعادة الجنوب حكومةً ومؤسسات وبلديات وخطة مالية قادرة على تحويل الاستقرار الأمني إلى حياة طبيعية. وإلا غدا الجيش واجهةً لسيادة تفتقر إلى أدواتها الاجتماعية والاقتصادية.
إعادة الإعمار بوصفها مصدراً للشرعية
لا يمكن قراءة هذه المعادلة بمعزل عن تجربة " حزب الله " في التعويض وإعادة الإعمار بعد المواجهات السابقة. فعلاقة الحزب ببيئته لم تُبنَ على السلاح والخطاب السياسي وحدهما، بل استندت أيضاً إلى شبكة من المؤسسات الصحية والاجتماعية والتربوية والخدماتية. وفي مراحل سابقة شكّلت سرعة دفع التعويضات وترميم البيوت أحد أبرز مصادر تثبيت حضوره الشعبي في أعقاب الحروب.
لذا لا يُعدّ الإعمار ملفاً ثانوياً بالنسبة إلى الحزب؛ فقدرته على مساعدة المتضررين ستؤثر في قدرته على إقناع بيئته بأنه لا يزال قادراً على حمايتها ورعايتها رغم الخسائر التي لحقت به وبمصادر تمويله. وإذا تمكّن من الوصول إلى العائلات قبل مؤسسات الدولة، فقد يُعيد ترسيخ المعادلة ذاتها: الدولة تدير الأمن الرسمي، فيما يتولى الحزب معالجة النتائج الاجتماعية للحرب.
غير أن الحرب الأخيرة جعلت المهمة أصعب، بعدما تضرّرت مصادر تمويل الحزب وشبكاته، وبرز تذمّر في أوساط بعض المتضررين بسبب تأخر المساعدات أو عدم كفايتها، في وقت لا تزال الدولة نفسها عاجزة عن تقديم بديل شامل. ومن هنا قد تُصبح إعادة الإعمار ساحةَ التنافس الأهم بين الدولة والحزب؛ فإذا نجح "حزب الله" في تمويل التعويضات وترميم المنازل قبل الدولة، سيُعزّز روايته أمام جمهوره بأنه الجهة التي حملت مسؤولية حمايته وأعادته إلى بيته. أما إذا تمكّنت الحكومة من إدارة تمويل شفاف وسريع يصل مباشرةً إلى المتضررين دون وساطات حزبية، فستمتلك فرصة نادرة لتحويل حضورها في الجنوب من شعار سيادي إلى علاقة يومية ملموسة.
مع ذلك لا تعني المساعدة المالية أن الولاءات السياسية ستتغير تلقائياً؛ فالانتماءات في الجنوب مرتبطة بذاكرة الاحتلال والحروب والإحساس بالخطر، ولا يمكن اختزالها بتعويض أو حصة غذائية. لكن استمرار العجز قد يُثير أسئلة داخل البيئة ذاتها حول جدوى جهة تستطيع خوض الحرب ولا تستطيع معالجة نتائجها، كما يضع الدولة أمام سؤال معاكس: ما قيمة المطالبة بحصرية السلاح إذا لم تقترن بالقدرة على تأمين الحماية والرعاية وإعادة البناء؟
المال الدولي وشروطه السياسية
يُضيف التمويل الخارجي طبقةً أكثر تعقيداً إلى المشهد؛ إذ لا يمتلك لبنان من موارده الذاتية ما يكفي لتمويل ورشة بهذا الحجم، مما يجعله معتمداً على الدول المانحة والمؤسسات الدولية التي تشترط عادةً مرور الأموال عبر مؤسسات رسمية شفافة وخاضعة للمساءلة. لكن الشفافية قد لا تكون الشرط الوحيد؛ فقد سبق أن ارتبط النقاش حول التمويل الدولي بالتقدم في ملف السلاح والإصلاحات، مما يفتح احتمال ربط تدفق الأموال بتنفيذ اتفاق واشنطن والترتيبات الأمنية على الأرض.
وهنا تظهر مفارقة خطيرة تتحوّل معها البيوت المهدّمة إلى أدوات ضغط في التفاوض: إسرائيل تربط الانسحاب بتقييمها لأداء الجيش ونزع السلاح، وقد يربط المانحون توسيعَ التمويل بتقدّم التنفيذ، فيجد السكان أنفسهم رهائن لملفات لا يملكون التحكم بها، مطالَبين بالانتظار حتى تتوافق الحسابات الخارجية. وتبرز معادلة قاسية: لا تمويل واسعاً قبل تقدّم التنفيذ، ولا استقرار للتنفيذ دون إعمار يُعيد الناس ويمنحهم أسباب البقاء.
ويزداد الخطر إذا تأخّر التمويل الدولي طويلاً؛ إذ يمنح ذلك الجهات الحزبية والخاصة فرصة لملء الفراغ، وقد تخسر الدولة معركتها قبل أن تبدأها. كما أن حصر الأموال بالقنوات الرسمية لن يُجدي إذا بقيت هذه القنوات بطيئة وعاجزة عن الصرف. المطلوب لذلك إدارة وطنية واضحة تجمع بين الرقابة والسرعة، وتُتيح للبلديات والمجتمع المحلي المشاركة دون تحويل الإعمار إلى حصص بين القوى السياسية. فالإعمار الحزبي المنفصل يُعيد إنتاج ازدواجية السلطة، والإعمار الدولي المشروط كلياً قد يُحوّل الحاجة الإنسانية إلى أداة ضغط. وحدها الدولة تستطيع نظرياً الجمع بين الشرعية والعدالة والقدرة على التخطيط، لكن عليها أولاً أن تُثبت ذلك عملياً.
من يربح الجنوب بعد الحرب؟
في النهاية، لن تُحسم معركة الجنوب فقط حين ينسحب آخر جندي إسرائيلي أو يدخل أول فوج لبناني إلى منطقة جديدة. فالاختبار الحقيقي يبدأ حين يطرق المواطن العائد باباً رسمياً طالباً المساعدة على ترميم منزله أو إعادة فتح مدرسة قريته، وحين يكتشف ما إذا كانت الدولة في انتظاره، أم أنه مضطر إلى اللجوء إلى حزب أو جمعية أو ممول خارجي لتلبية حاجاته الأساسية.
فقد يتسلّم الجيش الأرض ويُعيد تثبيت الحضور الرسمي للدولة، لكن الجهة التي تُزيل الركام وتُعوّض المتضررين وتُعيد الكهرباء والمياه والعمل ستكون شريكة في رسم مستقبل المنطقة. وإذا غابت الدولة عن هذه المهمة بقيت سيادتها ظاهرة عند الحواجز وأقل حضوراً في الحياة اليومية. أما إذا استطاعت المؤسسات الرسمية إدارة الإعمار بسرعة وعدالة وشفافية، فستكون أمام فرصة نادرة لاستعادة ما هو أبعد من الجغرافيا: ثقة الناس أنفسهم. عندها لا تعود الدولة مجرد جهة تُنفّذ اتفاقاً أمنياً، بل تُصبح المؤسسة التي تحمي الناس وتُعيدهم وتمنحهم القدرة على البقاء. فالجهة التي تبني الجنوب قد تكون في نهاية المطاف الجهة التي تربح شرعيته.
المصدر:
النشرة