مع تراجع العمليات العسكرية وبدء الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب، تعود البلديات إلى الواجهة من باب مختلف. فالمعركة اليوم لم تعد فقط في إزالة الركام أو ترميم الطرقات، بل في السؤال الأصعب: من أين ستأتي الأموال لتشغيل الخدمات اليومية؟
في عدد كبير من البلدات، خصوصاً تلك التي استقبلت نازحين أو تضررت بشكل مباشر، تواجه البلديات ضغطاً مضاعفاً. فالإنفاق زاد، الجباية تراجعت، والمواطنون يطلبون خدمات لا يمكن تأجيلها، من النفايات إلى المياه والإنارة والطرقات والصرف الصحي. وتقول مصادر بلدية لـ"
لبنان24 " إن البلديات دخلت مرحلة جديدة من الاستنزاف المالي، بعدما تحمّلت خلال الحرب أعباء لم تكن ضمن قدرتها الأصلية. فهناك بلدات استقبلت أعداداً كبيرة من
النازحين ، وبلدات اضطرت إلى فتح مدارس ومراكز عامة، وأخرى زادت كلفة النظافة والمياه والمازوت فيها بسبب ارتفاع عدد المقيمين.
وتشير المصادر إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالأضرار المباشرة، بل بكلفة استمرار الحياة داخل البلدات. فجمع النفايات يحتاج إلى عقود وشركات ومحروقات، ضخ المياه يحتاج إلى كهرباء وصيانة، الإنارة تحتاج إلى معدات، والطرقات المتضررة لا يمكن تركها كما هي مع عودة الناس إلى قراهم ومنازلهم. وتضيف المصادر أن عدداً من البلديات كان يعاني أصلاً قبل الحرب من ضعف الموارد، بسبب تراجع الجباية وتأخر المستحقات وارتفاع كلفة التشغيل. لذلك، فإن الأزمة الحالية لم تبدأ من الصفر، بل جاءت فوق أزمة قائمة منذ سنوات، ما جعل قدرة البلديات على التحمل محدودة جداً.
وبحسب المصادر نفسها، فإن ملف النفايات هو الأكثر إلحاحاً، لأنه يظهر سريعاً في الشارع ولا يحتمل الانتظار. فكل زيادة في عدد السكان داخل بلدة معينة تعني زيادة مباشرة في كمية النفايات، وبالتالي زيادة في كلفة الجمع والنقل والمعالجة. وهذه الكلفة لا تستطيع بلديات كثيرة تحملها من موازناتها الحالية.
أما ملف المياه، فيطرح بدوره
مشكلة كبيرة . فالشبكات في عدد من المناطق تحتاج إلى صيانة، وبعض الآبار ومحطات الضخ تتطلب كهرباء ومحروقات بشكل دائم. ومع ضعف التغذية الكهربائية وارتفاع الكلفة، تصبح البلديات أمام خيارين صعبين: إما تقليص الخدمة، أو الإنفاق من أموال لا تملكها.
وتلفت المصادر إلى أن الطرقات الداخلية والأضرار التي لحقت بالبنى التحتية ستشكل عبئاً إضافياً في المرحلة المقبلة. فعودة الأهالي إلى بلداتهم ستزيد الضغط على البلديات لإصلاح الحفر، إزالة الردميات، فتح الطرقات الزراعية، وترميم ما يمكن ترميمه بالحد الأدنى. وهذه الأعمال قد تبدو صغيرة على مستوى الدولة، لكنها كبيرة جداً بالنسبة إلى بلدية لا تملك موازنة كافية.
وفي هذا السياق، ترى مصادر بلدية أن الاعتماد فقط على الجباية المحلية لن يكون كافياً. فالكثير من المواطنين تضرروا اقتصادياً، وبعضهم فقد منزله أو عمله أو مصدر دخله، وبالتالي فإن قدرة البلديات على تحصيل الرسوم ستبقى محدودة في المدى القريب.
لذلك، تتحدث المصادر عن حاجة واضحة إلى خطة دعم مركزية، تشمل تسريع تحويل الأموال المستحقة للبلديات، تأمين مساهمات طارئة للبلدات الأكثر تضرراً، وتوجيه جزء من المساعدات الدولية إلى الخدمات البلدية المباشرة، لا فقط إلى المشاريع الكبرى أو البرامج العامة.
من هنا، يصبح سؤال التمويل أساسياً. فالمرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى خطط إعادة إعمار كبرى، بل إلى تمويل سريع للخدمات اليومية. لأن الناس قد تنتظر ترميم الأبنية، لكنها لا تستطيع الانتظار طويلاً من دون مياه ونظافة وطرقات آمنة وإنارة مقبولة.
وتختم المصادر البلدية لـ"لبنان24" بالقول إن البلديات لا تطلب رفاهية، بل قدرة على الصمود. فإما أن تكون جزءاً من خطة إنقاذ واضحة، أو تتحول إلى الحلقة الأضعف في مرحلة ما بعد الحرب. وعندها، لن تكون الأزمة أزمة بلدية فقط، بل أزمة خدمات تطال حياة الناس في كل يوم.