آخر الأخبار

المناطق التجريبية: هندسة للاحتلال ومناطق فاقدة لمقوّمات الحياة

شارك
كتب حمزة الخنسا في" الاخبار": رفع جنود الاحتلال، أمس، العلم الإسرائيلي على إحدى النقاط الواقعة في أطراف تلة علي الطاهر، رغم عدم سيطرة جيش الاحتلال على التلة، إذ يقتصر وجوده على أجزاء من أطرافها. وبذلك، حمل رفع العلم بعداً رمزياً أكثر مما عبّر عن تغيير ميداني حاسم. جاء ذلك عشية معاودة البحث في ملف «المناطق التجريبية» التي سعى العدو إلى إدراج تلة علي الطاهر ضمنها، إلا أن المقاومة رفضت هذا الطرح، إذ إن التلة ليست تحت سيطرة جيش العدو بصورة كاملة، كما أن أي مرحلة أولى يجب أن تبدأ من الأراضي التي لا تزال القوات الإسرائيلية تتمركز فيها فعلياً، تمهيداً لانسحابها منها، لا من مناطق يجري السعي إلى فرض أمر واقع جديد فيها.
ويشير مسار الأحداث منذ وقف إطلاق النار إلى أن إسرائيل لم تكتفِ بالإبقاء على وجودها في النقاط التي أعلنت أنها ستحتفظ بها مؤقتاً، بل عملت أيضاً على تحسين مواقعها العملانية كلما سنحت الفرصة، سواء عبر التوغلات المحدودة أو السيطرة النارية أو محاولات تثبيت وجود في مرتفعات استراتيجية.وعليه، جاء اختيار العدو لبلدات فرون والغندورية وزوطر الغربية، وفق ما كشفته مصادر مطلعة، استناداً إلى اعتبارات ميدانية وأمنية تجعل من هذه المنطقة نموذجاً مصغراً لما تسعى تل أبيب إلى تعميمه على بقية الشريط الحدودي. فالبلدات الثلاث تقع في القطاع الأوسط، ضمن نطاق شهد خلال الحرب الأخيرة مواجهات مكثفة وعمليات توغل إسرائيلية متكررة، كما أنها ترتبط بشبكة طرق داخلية تؤمّن التواصل بين عدد من القرى الجنوبية، ما يجعل السيطرة الأمنية عليها مؤشراً بالنسبة إلى إسرائيل على قدرة الجيش اللبناني على الإمساك بالمنطقة بعد الانسحاب.
في المقابل، يتخبّط الموقف الرسمي اللبناني في المواقف المتكررة والمكثّفة التي يطلقها الرئيس عون تسويقاً للاتفاق الإطاري، فمن ناحية تقول مصادر رسمية إن بيروت ترفض تحويل الانسحاب الإسرائيلي إلى عملية مجزأة وغير محددة بسقف زمني، أو ربط استكماله بنتائج تقييم سياسي أو أمني تضعه إسرائيل أو الجهات الراعية. ومن ناحية أخرى تقرّ بأن «الضوء الأخضر»، بحسب الاتفاق الإطاري، يجب أن يصدر من تل أبيب لقياس مدى نجاح الخطوة الأولى من «المناطق التجريبية» كجزء من خطة متكاملة تؤدي في نهايتها إلى انسحاب الاحتلال من جميع النقاط التي بقي فيها بعد الحرب، بالتوازي مع استكمال انتشار الجيش اللبناني.
وفيما تبقى التفاصيل التنفيذية، ولا سيما صلاحيات لجنة الإشراف، وآلية التحقق من أي خروقات، وضمان عدم تحول التجربة إلى واقع دائم يسمح لإسرائيل بإبطاء الانسحاب أو التراجع عنه بذريعة عدم استيفاء الشروط الأمنية، أبرز معوقات انطلاق المرحلة الأولى من «التجارب»، وكانت تل أبيب قد قررت قبل أيام، تأجيل تنفيذ خطة «المناطق التجريبية»، مبررة ذلك بالحاجة إلى الاتفاق أولاً على آلية رقابة وإشراف تضمن تنفيذ الترتيبات الأمنية قبل تسليم المناطق للجيش اللبناني.
وكتب حسين زلغوط في" اللواء": ما يشهده جنوب لبنان في هذه الآونة ليس مجرد خروقات أمنية أو اعتداءات عسكرية إسرائيلية يومية، بل بات يعكس تحوّلاً نوعياً في طبيعة المواجهة، عنوانه فرض وقائع جديدة على الأرض تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فعمليات الهدم والتجريف الواسعة التي تطاول مدينة بنت جبيل وقرى قضائها، وتمتد إلى أقضية مرجعيون والنبطية وصور، توحي بأن الهدف لم يعد يقتصر على تدمير منشآت أو إزالة بنى تحتية، بل يتجه نحو إعادة صياغة المشهد الحدودي برمته، بما يحوّل مساحات واسعة من الجنوب إلى مناطق فاقدة لمقومات الحياة، ويجعل عودة سكانها واستقرارهم فيها مهمة شاقة، إن لم تكن مستحيلة.
وتكمن خطورة هذا المسار في أنه يقوض الأساس الذي يفترض أن تقوم عليه أي ترتيبات أمنية أو سياسية بين لبنان وإسرائيل. فلا يمكن الحديث عن استقرار في وقت تستمر فيه عمليات الهدم والنسف والتجريف، ولا عن تهدئة فيما يشعر آلاف المواطنين بأن قراهم تتحول تدريجياً إلى مناطق منكوبة. فالاستقرار لا يقاس بغياب إطلاق النار وحده، وإنما بقدرة السكان على العودة إلى منازلهم، واستئناف حياتهم الطبيعية، وإعادة بناء دورة اقتصادية واجتماعية تكفل لهم البقاء في أرضهم.
وفي المقابل، تبدو الدولة اللبنانية أمام اختبار لا يقلّ أهمية، فالمطلوب لا يقتصر على توثيق الاعتداءات ورفع الشكاوى أمام المؤسسات الدولية، رغم أهمية ذلك، وإنما يتطلب تحرّكاً دبلوماسياً وسياسياً واسعاً يضع المجتمعين العربي والدولي أمام مسؤولياتهما. فالمعركة لم تعد معركة بيانات استنكار، بل معركة حماية حق الناس في البقاء على أرضهم، ومنع تحويل الجنوب إلى منطقة فارغة من اهلها بفعل الدمار وانعدام مقومات الحياة.
وتزداد أهمية هذا التحرك إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الجنوب اللبناني لا يمثل مجرد شريط حدودي، بل يشكّل ركناً أساسياً من البنية الوطنية اللبنانية، بما يحمله من رمزية تاريخية وثقل اجتماعي واقتصادي وسياحي، وأي تغيير ممنهجفي طبيعته العمرانية أو السكانية ستكون له انعكاسات مباشرة على الداخل اللبناني، سواء من خلال اتساع موجات النزوح، أو زيادة الضغوط الاقتصادية، أو تعميق الأزمات الاجتماعية التي يعيشها البلد منذ سنوات.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا