إذا كانت المواقف السياسية المعلنة لـ "
حزب الله " قد عكست رفضاً واضحاً لـ "اتفاق الإطار"، فإن السؤال الذي يشغل الدوائر السياسية والدبلوماسية اليوم لا يتعلق بالخطاب العلني، بل بما سيجري على الأرض خلال الأسابيع المقبلة. فالتجربة
اللبنانية أظهرت مراراً أن مواقف الأحزاب والقوى السياسية لا تُقاس فقط بما تعلنه، بل أيضاً بكيفية ترجمتها ميدانياً، ولا سيما في الملفات الأمنية الحساسة.
وترى أوساط متابعة أن "الحزب" يقف اليوم أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، لا يريد أن يبدو وكأنه يمنح الاتفاق شرعية سياسية، خصوصاً إذا كان يعتبر أن بعض بنوده قد تؤثر في معادلة الردع التي تشكلت خلال السنوات الماضية. ومن جهة أخرى، يدرك أن أي تصعيد ميداني قد يضعه في مواجهة ليس فقط مع
إسرائيل ، بل أيضاً مع
الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي، في مرحلة تشهد زخماً دبلوماسياً غير مسبوق.
وتضيف هذه الأوساط أن "الحزب" قد يعتمد، في المرحلة الأولى، سياسة "الترقب والاختبار"، أي مراقبة كيفية تنفيذ الاتفاق ومدى
التزام إسرائيل بما تعهدت به، ولا سيما في ما يتعلق بالانسحاب من المناطق التي لا تزال تسيطر عليها، ووقف العمليات العسكرية. فإذا لمس أن التنفيذ يسير وفق ما يراه مقبولاً، فقد يتجنب أي خطوات من شأنها نسف المسار. أما إذا اعتبر أن إسرائيل تستخدم الاتفاق لتكريس وقائع جديدة أو للمماطلة، فقد ترتفع حدة اعتراضه السياسي وربما تتغير طبيعة تعاطيه مع المرحلة.
وفي المقابل، تشير مصادر دبلوماسية إلى أن
المجتمع الدولي يراقب بدقة أداء جميع الأطراف، وليس أداء "حزب الله" وحده. فنجاح الاتفاق، في نظر العواصم المعنية، يبقى مرتبطاً أيضاً بمدى التزام إسرائيل بما تعهدت به، وبقدرة الدولة اللبنانية على تعزيز حضورها في الجنوب، وتجنب أي احتكاكات قد تعيد الأمور إلى نقطة الصفر.
ويرى متابعون أن "الحزب" سيأخذ في اعتباره أيضاً البيئة الداخلية. فبعد
سنوات من الأزمات الاقتصادية والحرب والنزوح، يبرز لدى شريحة واسعة من اللبنانيين تطلع إلى الاستقرار وإعادة الإعمار. وهذا الواقع قد يجعل أي قرار يتعلق بالتصعيد أكثر تعقيداً، لأن كلفته لن تكون عسكرية فقط، بل سياسية واجتماعية أيضاً.
قد لا يكون السؤال اليوم ما إذا كان "حزب الله" سيقبل أو سيرفض "اتفاق الإطار"، لأن موقفه السياسي معروف، بل كيف سيتصرف عملياً خلال مرحلة التنفيذ. فبين الخطاب السياسي والواقع الميداني مساحة واسعة من الحسابات المحلية والإقليمية، وهي التي ستحدد، إلى حد كبير، ما إذا كان الاتفاق سيصمد أم سيدخل مبكراً في دائرة الاختبار.