آخر الأخبار

خلف الجبهات... اكثر من 350 صرخة عنف ضد النساء

شارك
طيلة فترة الحرب، ينشغل الرأي العام وصنّاع القرار بتفكيك الخطابات السياسية ومتابعة التطورات الميدانية، في مقابل تهميش واضح للملفات الاجتماعية التي لا تحظى بالاهتمام المطلوب أو التغطية الإعلامية الكافية. هذا الاختلال في الأولويات يحجب رصد ظاهرة بنيوية متفاقمة في لبنان ، تتمثل في الارتفاع الملحوظ لمعدلات العنف، ولا سيّما ضد النساء والفتيات.
وتُعيد هذه المفارقة إلى الأذهان ما تطرحه الفيلسوفة المعاصرة جوديث بتلر حول مفهوم "الحيوات الجديرة بالبكاء" (Grievable Lives) في الحروب، حيث يميل المجتمع المنشغل بالمعارك الكبرى إلى تصنيف قضايا النساء والملفات الاجتماعية كمسائل "ثانوية" أو "مؤجلة"، مما يرفع غطاء الحماية القانونية والمجتمعية عن الفئات الأكثر هشاشة، ويجعل أجسادهن وحياتهن النفسية والجسدية أولى ضحايا النزاع الصامت خلف الجبهات.
وتشير الأرقام الرسمية إلى تسجيل ما يقارب بين 80 و90 شكوى شهرياً، وفقاً للتقارير الدورية الصادرة عن قوى الأمن الداخلي والهيئة الوطنية لشؤون المرأة.ليصل إجمالي الحالات المسجلة رسمياً إلى حوالى 350 حالة عنف أسري منذ كانون الثاني٢٠٢٦.
وتُظهر البيانات أنّ العنف الجسدي يتمثّل في الضرب والإيذاء البدني المباشر، يليه العنف المعنوي والنفسي، كالإهانات، التهديد، والضغوط النفسية، فيما تُسجَّل حالات العنف الجنسي والاقتصادي بنسب أقل، وإن كانت تُخفي خلفها الكثير من الحالات غير المعلنة.

حماية النساء بين القانون والواقع

في هذا السياق، أكدت المديرة العامة لـ منظمة المرأة العربية، الدكتورة فاديا كيوان عبر "لبنان٢٤"، أنّ العنف الجسدي ضد النساء لا يزال الشكل الأكثر تبليغًا عنه، وأكدت أنّ هنالك قوانين تعاقب العنف الجسدي، ولا سيّما بحق النساء والفتيات، إلا أنّ وجود القوانين وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع تطبيق فعلي وآليات رصد وتبليغ فعّالة.
ورأت أنّ النزوح ساهم في ارتفاع معدلات العنف، لأن تجربة النزوح بحد ذاتها تُعدّ عاملًا ضاغطًا يزيد من الهشاشة الاجتماعية، كما أنّ الإقامة في مراكز الإيواء الرسمية أو لدى الأقارب والأصدقاء قد ترفع احتمالات التعرّض للتحرش والعنف ضد النساء والفتيات، وصولًا إلى حالات من العنف داخل الأسرة، مؤكدة أنّ هذه الظواهر ليست محصورة بلبنان بل تُسجّل عالميًا في ظروف النزوح والهجرة القسرية.

وأوضحت أنّ الكثير من هذه الحالات لا يُكشف عنها بسبب الخجل أو الخوف، ما يزيد خطورتها ويمنح المعتدين مساحة للاستمرار.

وشدّدت على أهمية عدم انتظار التبليغ لبدء التحرّك، داعية إلى اعتماد آليات للرصد والاستجابة المبكرة، وإلى تأمين غرف ومراحيض منفصلة وخاصة بالنساء داخل أماكن الإيواء، مذكّرة بأنّ حرب عام 2006 شهدت رصد حالات تحرش مرتبطة بالمرافق المشتركة وغرف النوم الجماعية.
كما دعت إلى إصدار إرشادات وتوجيهات واضحة للتعامل مع هذه المخاطر، مؤكدة أنّ استمرار الحرب سيؤدي إلى زيادة حالات العنف وتفاقم آثارها على الصحة النفسية للنساء.
وأضافت أنّ العنف النفسي، وإن لم يكن ظاهرًا للعيان، إلا أنّ آثاره ملموسة، مشيرة إلى ازدياد لجوء الناس إلى أدوية الأعصاب والمسكنات، مشيرة الى أنّ الأزمات المعيشية والاقتصادية والحرب تشكّل أسبابًا رئيسية لذلك.
وانتقدت غياب حملات الاستنفار والخطوات العملية من الجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات التي تهتم بقضايا النساء، إلى جانب ضعف الاهتمام الإعلامي بالقضايا الاجتماعية المرتبطة بتداعيات الحرب النفسية والاقتصادية.
كما شددت كيوان، على أنّ وقف الحرب وعودة الناس إلى منازلهم يبقيان المدخل الأساسي لاستعادة الأمان، لأن الكرامة فوق كل اعتبار.

غياب المساحة الخاصة والسلوك العدواني

الى ذلك، ترى الدكتورة في علم النفس الاجتماعي البروفيسورة ديزيريه قزي، عبر "لبنان٢٤"، أنّ الفرد، في ظروف الحرب والنزوح والأزمات، يفقد تدريجيًا مساحته الخاصة، ما يضعه تحت ضغط نفسي متواصل ويجعله أكثر قابلية للتصرف بعنف أو بعدائية تجاه الآخرين.
وأوضحت أنّ فقدان الخصوصية وغياب الشعور بالاستقرار ينعكسان مباشرة على السلوك الفردي والاجتماعي، إذ تزداد مستويات التوتر والانفعال وتضعف القدرة على ضبط ردود الفعل.
وأضافت أنّ المرأة، حين تشعر بعدم الأمان، تصبح أكثر خوفًا وأقل ميلاً إلى التبليغ عن أي شكل من أشكال العنف أو المضايقات التي قد تتعرض لها، ما يؤدي إلى بقاء عدد كبير من الحالات بعيدًا عن الرصد والمتابعة.
وتلفت قزي، الى أهمية أن يعمل الأفراد، على خلق مساحات للأمان النفسي، عبر تخصيص وقت للأنشطة التي تساعد على التخفيف من الضغوط، مثل المشي أو القراءة أو أي نشاط يساهم في استعادة التوازن النفسي.
كما أكدت أهمية المشاركة والتواصل مع الآخرين وعدم الانعزال، معتبرةً أنّ التعبير عن المشاعر والضغوط يشكّل عاملًا أساسيًا للحد من التوتر وتداعياته.
وشددت على ضرورة وضع خطط واستراتيجيات واضحة تساعد على تعزيز الدعم النفسي والاجتماعي، بما يحدّ من آثار الأزمات ويخفف من احتمالات تحوّل الضغط النفسي إلى سلوك عنيف داخل المجتمع.

لا بد للمرحلة الراهنة أن تعيد ترتيب سلّم الأولويات، كي لا تبتلع الحرب والسياسة كرامة الإنسان. فالأبنية والبنى التحتية المهدّمة تملك دائماً فرصة للإعمار، أما الكرامة الإنسانية فهي الأسرع عطبًا والأصعب ترميماً إذا ما طالها التهميش.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا