آخر الأخبار

بعد قرار إلغاء الترمينال...الحكومة أمام امتحان كبير

شارك
لم يكن قرار الحكومة بإلغاء امتحانات شهادة البكالوريا (الترمينال) لهذه السنة قراراً عادياً أو تقنياً يمكن تمريره كإجراء إداري ظرفي. فالمسألة، في عمقها، تتجاوز بكثير حدود وزارة التربية والملف التربوي ، لتلامس صورة الدولة نفسها وقدرتها على إدارة أحد أكثر القطاعات حساسية، ألا وهو قطاع التعليم الذي طالما اعتُبر مرآةً لاستقرار المؤسسات أو اهتزازها.
فالدوافع التي أحاطت بالقرار تبدو متشابكة بين ما هو أمني ولوجستي، في ظل الظروف غير المستقرة التي تعيشها بعض المناطق، وبين ما هو اجتماعي ونفسي يرتبط بقدرة الطلاب والأهالي على تحمّل أعباء امتحانات مركزية في بلد مثقل بالأزمات. كما لا يمكن إغفال تراكم التجارب السابقة التي شهد فيها لبنان تعطيلاً أو تعديلاً متكرراً للامتحانات الرسمية تحت ضغط الأزمات الصحية والإضرابات والظروف الطارئة، ما جعل “الاستثناء” أقرب إلى قاعدة غير معلنة.
لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في أسباب القرار، بل في تداعياته على مفهوم الشهادة الرسمية نفسها، وعلى مبدأ المساواة بين الطلاب. فإلغاء الامتحانات يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول معيارية التقييم، وحول قدرة المؤسسات التربوية على تعويض غياب الامتحان الوطني الموحد، بما يضمن عدالة الفرص بين الطلاب على اختلاف مدارسهم وبيئاتهم التعليمية.
وفي موازاة ذلك، يطرح القرار إشكالية أعمق تتصل بصورة الدولة وقدرتها على فرض انتظام مؤسساتها. فحين يصبح الاستثناء متكرراً، وحين تتحول الامتحانات الرسمية إلى ملف قابل للتعليق أو الإلغاء تبعاً للظروف، فإن ذلك يعكس خللاً بنيوياً في انتظام العمل العام، ويضعف تدريجياً الثقة بالمنظومة التربوية ككل.
ومع ذلك، يرى مؤيدو القرار أن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تُعطى لسلامة الطلاب واستقرارهم النفسي، في ظل واقع ضاغط لا يسمح بإجراء امتحانات عادلة وموحدة على كامل الأراضي اللبنانية . إلا أن هذا الطرح، رغم وجاهته الإنسانية، لا يلغي المخاوف من أن يتحول الحل الاستثنائي إلى نمط دائم، يضرب مفهوم الامتحان الوطني ويعيد رسم معايير النجاح الأكاديمي في البلاد.
وهكذا، يجد لبنان نفسه أمام اختبار يتجاوز البكالوريا نفسها، ليصل إلى سؤال أوسع، وهو: هل ما زالت الدولة قادرة على إنتاج معيار وطني موحد في التعليم، أم أن الأزمات المتلاحقة بدأت تفكك آخر ما تبقّى من انتظام مؤسساتي جامع ؟
قد يكون قرار إلغاء امتحانات شهادة "الترمينال" لهذه السنة قراراً مفهوماً في سياقه الظرفي، لكنه يبقى ناقوساً إضافياً يدق في جدار نظام تربوي يواجه، كما غيره من القطاعات، امتحاناً أصعب من الامتحانات نفسها: امتحان الاستمرارية في ظل دولة تتنقل من استثناء إلى آخر.
ويبقى أن الحكومة في اتخاذها هذا القرار تجد نفسها أمام امتحان كبير.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا