آخر الأخبار

لبنان في زمن التحولات... من يضمن طريق العودة؟

شارك

يقول أحد المراجع السياسية المخضرمة، في مجالسه الخاصة، إن النجاح في السياسة لا يُقاس فقط بالقدرة على بلوغ الهدف، بل بالقدرة على العودة منه بأقل الخسائر الممكنة. فالسياسي أو الدولة أو الحزب قد ينجح في شقّ طريقه نحو موقع قوة أو نفوذ أو مكسب معيّن، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتبدل الظروف وتتغير موازين القوى، ويصبح مطلوباً إيجاد مخرج آمن من الخيارات السابقة .

هذه المقولة تكتسب أهمية خاصة في لبنان اليوم، في ظل تسارع التحولات الإقليمية والدولية. فالأخبار المتلاحقة عن إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط ، والتبدلات التي تشهدها العلاقات بين القوى الكبرى، تفرض على مختلف الأطراف اللبنانية إعادة النظر في حساباتها. فالرهان على موازين قوى ثابتة أصبح أكثر خطورة من أي وقت مضى، لأن المنطقة بأسرها تبدو وكأنها تدخل مرحلة انتقالية لا تزال نتائجها النهائية غير محسومة .

في مثل هذه المراحل، لا يكفي أن تسعى القوى السياسية إلى تعزيز مواقعها أو تثبيت مكتسباتها. الأهم هو أن تترك لنفسها هامشاً للمناورة، وأن تحافظ على جسور التواصل مع الخصوم والحلفاء على حد سواء. فالتاريخ اللبناني مليء بالأمثلة عن أطراف اعتقدت أن موازين القوى تعمل لمصلحتها إلى الأبد، لتكتشف لاحقاً أن الظروف تبدلت وأن كلفة التراجع أصبحت باهظة .

ومن هنا تبرز أهمية "طريق العودة". فالحكمة السياسية لا تكمن فقط في التمسك بالمواقف، بل في معرفة اللحظة المناسبة لإعادة التموضع عندما تستدعي المصلحة الوطنية ذلك. والعودة هنا لا تعني التراجع أو الهزيمة، بل القدرة على التكيف مع المتغيرات من دون الانزلاق إلى مواجهات عبثية أو رهانات خاسرة .

فلبنان، الذي لطالما كان ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، يحتاج اليوم إلى هذه المقاربة أكثر من أي وقت مضى. فبدلاً من بناء السياسات على افتراضات نهائية أو انتصارات دائمة، تبدو الحاجة ملحّة إلى اعتماد منطق المرونة والواقعية، لأن المنطقة تدخل مرحلة تتغير فيها التحالفات بسرعة، وقد يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس ممكناً غداً، والعكس صحيح .

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه جميع اللاعبين اللبنانيين ليس فقط عن كيفية الوصول إلى الأهداف، بل أيضاً معرفة إذا كان لهؤلاء اللاعبين القدرة على تأمين طريق آمن للعودة عندما تتبدّل الظروف. ففي السياسة، كما في الحياة، غالباً ما يكون ضمان طريق العودة هو الضمانة الحقيقية للاستمرار .

ففي نهاية المطاف، لا تُقاس السياسة بما تحققه من اندفاعات آنية أو مكاسب ظرفية، بل بقدرتها على حماية أصحابها من ارتدادات اللحظة عندما تتغير الرياح. فالمشهد اللبناني، المتداخل مع تحولات إقليمية سريعة وغير مستقرة، لا يمنح أحداً ضمانات دائمة، ولا يعترف بانتصارات نهائية .

ومن هنا، تصبح "القدرة على العودة" ليست مجرد خيار سياسي، بل شرط بقاء في لعبة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات. فكم من لاعب اعتقد أنه بلغ ذروة القوة، قبل أن يكتشف أن الحكمة الحقيقية لم تكن في الوصول، بل في معرفة اللحظة التي يجب فيها تعديل المسار من دون خسارة الذات أو الوطن .

في لبنان تحديداً، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة وتتنازع عليه العواصم، تبدو "طريق العودة" هي الفارق بين من يكتب التاريخ ومن يُكتب عليه التاريخ .

وهنا يستحضرنا القول المأثور للإمام علي "أحببْ حبيبَك هونًا ما عسى أن يكونَ بغيضَك يومًا ما، وأبغضْ بغيضَك هونًا ما عسى أن يكونَ حبيبَك يومًا ما ".

لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا