ما بذلته عناصر الدفاع المدني وفوج الإطفاء، بمؤازرة فاعلة من قِبل طوافات الجيش، من جهود جبارة في إخماد الحريق الذي اندلع في مستودعات
وزارة الاتصالات وهيئة "أوجيرو" في الدكوانة، كان محل ترحيب رسمي وشعبي واسع، ولا سيما أن سرعة التدخل حالت دون امتداد النيران إلى منشآت ومبانٍ مجاورة كانت ستضاعف حجم الخسائر المادية وربما البشرية.
وقد أظهر عناصر الإطفاء والدفاع المدني مستوى عالياً من الجهوزية والمهنية في التعامل مع حريق معقّد، خصوصاً في ظل وجود مواد وتجهيزات تقنية وإلكترونية داخل المستودعات، الأمر الذي زاد من صعوبة المهمة ورفع منسوب المخاطر التي واجهتها فرق الإنقاذ والإطفاء لساعات طويلة.
إلا أن الإشادة بالأداء الميداني لا تحجب الأسئلة التي بدأت تُطرح حول أسباب الحريق وظروف اندلاعه، ولا حول مدى
التزام المؤسسات العامة والخاصة بمعايير السلامة والوقاية من الحرائق، خصوصاً أن
لبنان شهد خلال السنوات الأخيرة سلسلة حوادث مشابهة كشفت وجود ثغرات في أنظمة الحماية والرقابة والصيانة الدورية.
وفي موازاة التحقيقات الأمنية والقضائية التي باشرتها الجهات المختصة، برزت مخاوف بيئية وصحية نتيجة الدخان الكثيف والمواد المنبعثة من احتراق تجهيزات إلكترونية وبطاريات ومعدات تقنية، وهو ما دفع خبراء إلى المطالبة بإجراء فحوصات دقيقة لنوعية الهواء وتحديد حجم الأثر البيئي الذي خلّفه الحريق على المناطق المحيطة.
وبينما نجحت فرق الإطفاء في كسب معركة النار، يبقى الرهان على أن تنجح الدولة أيضاً في كسب معركة الحقيقة، عبر كشف الأسباب الفعلية للحريق، واستخلاص الدروس اللازمة لمنع تكرار حوادث مماثلة في منشآت يفترض أن تكون محمية بأعلى معايير السلامة.
وإذا كان الحريق قد كشف مرة جديدة شجاعة عناصر الدفاع المدني وفوج الإطفاء والجيش اللبناني في مواجهة
الكوارث ، فإنه كشف في المقابل حجم الهشاشة التي لا تزال تعاني منها البنية التحتية في عدد من المرافق العامة. فليس طبيعياً أن يتحول كل حريق كبير إلى حالة طوارئ وطنية تستنفر مختلف الأجهزة، فيما المطلوب أساساً أن تكون إجراءات الوقاية والسلامة قادرة على الحد من المخاطر قبل وقوعها.
كما يمكن القول إن ما حصل أعاد إلى الواجهة أهمية الاستثمار في أجهزة الإطفاء والإنقاذ، التي غالباً ما تعمل بإمكانات محدودة مقارنة بحجم المخاطر التي تواجهها. فالعناصر الذين خاضوا مواجهة مباشرة مع النيران والدخان والمواد الخطرة لم يكونوا يدافعون عن مبنى أو مستودع فحسب، بل عن منطقة مكتظة بالسكان وعن مرفق حيوي يرتبط بقطاع الاتصالات اللبناني.
ومن زاوية أخرى، فإن الحريق شكّل اختباراً ناجحاً للتنسيق بين مختلف الأجهزة المعنية، من الدفاع المدني إلى فوج الإطفاء والجيش والقوى الأمنية، وهو أمر يحتاج إليه لبنان أكثر من أي وقت مضى في ظل تزايد المخاطر البيئية والصناعية والتحديات الناتجة عن الحروب والأزمات المتلاحقة.
لكن، وبعيداً من الإشادات المستحقة، يبقى السؤال الأساسي: هل سيكون حريق الدكوانة مناسبة لمراجعة شاملة لإجراءات السلامة في المؤسسات العامة والخاصة، أم أنه سينضم إلى لائحة طويلة من الحوادث التي تُطوى ملفاتها بعد انحسار الدخان؟
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن من المهام الأساسية الملقاة على عاتق الاعلام إلقاء الضوء والتنبيه، من دون الدخول في تفاصيل ما حاول بيان وزارة الاتصالات – هيئة "أوجيرو" التلميح إليه عن مسؤولية هذا الاعلام لرفع المسؤولية الحقيقية عن الحريق واسبابه واهدافه والضالعين فيه.