تشير التطورات الأخيرة إلى أن المشهد اللبناني–
الإسرائيلي لم يعد محصورًا في ساحة المواجهة العسكرية، بل انتقل بشكل واضح إلى مستوى سياسي–دبلوماسي معقد، حيث تتداخل المواقف الدولية والإقليمية في محاولة لإعادة ضبط مسار الحرب أو احتوائها قبل انفلاتها الكامل.
في هذا السياق، برزت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي دعت
إسرائيل إلى الموافقة على وقف إطلاق النار مع "
حزب الله "، بالتوازي مع دعوة غير مباشرة إلى تهدئة وتخفيف حدة التصعيد.
هذا الموقف يعكس تحوّلًا في الخطاب الأميركي نحو إدارة الأزمة أكثر من دفعها إلى التصعيد، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار العمليات العسكرية يهدد بانهيار أي مسار تفاوضي إقليمي قائم.
في المقابل، جاء الموقف الإيراني ليؤكد أن واشنطن تتحمل مسؤولية مباشرة عن إنهاء الحرب، مع ربط واضح بين الساحة
اللبنانية وبقية ملفات التفاوض الإقليمي.
في موازاة ذلك، تبرز التحركات
السعودية والقطرية كعامل تهدئة أساسي، إذ تشير المعطيات إلى تقدم في مسار الوساطة الهادفة إلى تثبيت وقف إطلاق النار. هذا الدور الوسيط يعكس محاولة إقليمية لمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة شاملة، عبر توفير أرضية سياسية قابلة للتفاوض، ولو بحدودها الدنيا.
إلى ذلك تفيد المعلومات أن الدول العربية في طور انتقال من مستوى المبادرات المتفرقة إلى محاولة بلورة إطار سياسي–أمني أكثر انتظامًا، وفي هذا السياق، تبرز معطيات عن توجه لتشكيل لجنة عربية تضم مصر والسعودية وقطر، تتولى دعم الاستقرار في
لبنان ضمن مقاربة تُقدَّم على أنها تهدف إلى حماية الأمن العربي الأوسع، وليس فقط معالجة تداعيات الحرب الحالية.
هذا التحرك، في حال ترجم فعليًا، يعكس،بحسب المصادر إدراكًا عربيًا متزايدًا بأن الساحة اللبنانية لم تعد قابلة للإدارة عبر الوساطات الظرفية، بل تحتاج إلى مظلة سياسية مستمرة تواكب التوترات الميدانية وتمنع تفجرها. غير أن الأهم في هذا الطرح هو الإشارة إلى اعتماد مقاربة لا تقوم على القطيعة مع إيران، بل على إدارة العلاقة معها ضمن تفاهمات غير تصادمية، بما يسمح بفتح نافذة للتوازن بدل الاصطفاف الحاد.
أما على المستوى اللبناني الرسمي، فيتمسك رئيس الجمهورية جوزاف عون بخيار وقف إطلاق النار كمدخل لأي تسوية، مع التشديد على دور الجيش في فرض الاستقرار وبسط سلطة الدولة. ويأتي هذا الموقف في إطار محاولة إعادة تموضع الدولة كطرف أساسي في أي مسار تفاوضي مستقبلي، بدل بقائها في موقع المتأثر بالوقائع الميدانية فقط.
في المقابل، يواصل رئيس الحكومة نواف سلام التركيز على الداخل اللبناني، من خلال خطاب يقوم على الإصلاح وتعزيز مؤسسات الدولة وحصر السلاح بيدها، في إشارة واضحة إلى ضرورة إعادة بناء التوازن الداخلي كشرط للاستقرار السياسي والأمني.
إلى ذلك تشير أوساط سياسية الى ما ينقل عن
رئيس مجلس النواب نبيه بري من طرح حول أن مدخل الاستقرار في لبنان يمر عبر تفاهم إيراني–
سعودي ، وهذا الأمر يشير الى أن أي تسوية داخلية لا يمكن أن تصمد من دون غطاء إقليمي متوازن، يراعي مصالح القوى المؤثرة على الأرض اللبنانية. وهذا ما يفسر الرهان على صيغة تعاون بدل منطق المواجهة المفتوحة بين العواصم الإقليمية.
المصادر المواكبة للاتصالات تشير إلى أن المسار المطروح لن يكون سريعًا أو سهلًا، بل يحتاج إلى مفاوضات معقدة وطويلة، نظرًا لتشابك الملفات العسكرية والسياسية، وعلى رأسها استمرار العمليات
الإسرائيلية في الجنوب، والخلاف حول مستقبل الانتشار العسكري في المناطق الحدودية. فوقف إطلاق النار، حتى لو تم تثبيته، يبقى في نظر كثيرين خطوة أولى غير كافية ما لم يترافق مع ترتيبات ميدانية واضحة وآليات تنفيذ ملزمة.
وتشير هذه المقاربة إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالًا تدريجيًا من إدارة الأزمة إلى محاولة بناء تسوية، تبدأ بوقف العمليات العسكرية، مرورًا بترتيبات في الجنوب، وصولًا إلى ملفات أكثر تعقيدًا تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي .
وقدّم الأمين العام لـحزب الله الشيخ نعيم قاسم خطابًا سياسيًا حادّ النبرة، وضع فيه التصعيد العسكري الإسرائيلي في إطار مواجهة أوسع تتجاوز الساحة اللبنانية، معتبرًا أن ما يجري ليس مجرد عمليات عسكرية محدودة، بل جزء من حرب تهدف إلى إعادة رسم التوازنات في المنطقة عبر الضغط الميداني والسياسي على المقاومة وبيئتها.
واتهم الشيخ قاسم إسرائيل بأنها تشنّ حربًا "غير مقيدة بالضوابط" تستهدف المدنيين والبنية التحتية، في محاولة، بحسب تعبيره، لـ"إخضاع المقاومة وكسر إرادتها". وأكد أن استمرار الغارات والعمليات البرية في الجنوب والبقاع يعكس، من وجهة نظره، عجزًا إسرائيليًا عن تحقيق أهداف عسكرية حاسمة، ما يدفعها إلى التصعيد ضد القرى والبلدات الآمنة.وفي سياق خطابه، ذهب الشيخ قاسم إلى أبعد من البعد العسكري، حيث اتهم
الولايات المتحدة بقيادة "خطة سياسية–أمنية" تستهدف حزب الله، عبر دعم الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على الدولة اللبنانية، ومحاولة دفعها نحو خيارات تتعلق بسلاح الحزب ودوره. واعتبر أن واشنطن لا تقف على الحياد، بل تشارك في صياغة مسار يهدف إلى تقليص نفوذ المقاومة داخل لبنان.
كما أشار إلى ما وصفه بمحاولات داخلية وإقليمية لإحداث شرخ بين الجيش اللبناني وحزب الله، أو بين مكوّنات المجتمع اللبناني، لكنه شدّد على أن هذه المحاولات "فشلت" بفعل وعي المؤسسة العسكرية والقيادات السياسية، بحسب تعبيره، محذرًا من أي رهانات على تفجير الوضع الداخلي، معتبرًا أن بعض الضغوط التي مورست على دول في المنطقة، ومنها
سوريا ، كانت تهدف إلى تطويق المقاومة من عدة جبهات، لكنه أشار إلى أن هذه المسارات لم تؤدِّ إلى النتائج التي كانت تراهن عليها إسرائيل وحلفاؤها.
ميدانيًا، تمضي إسرائيل في تكريس واقع جديد على الأرض، عبر توسيع نطاق عملياتها داخل العمق اللبناني، تحت ذريعة الأمن والدفاع عن
الشمال . هذا التوسع، الذي يصفه مراقبون بأنه محاولة لفرض "منطقة عازلة" بحكم الأمر الواقع، يثير مخاوف من تحول مؤقت إلى واقع طويل الأمد.