بعيداً عن الجغرافيا اللبنانية المشتعلة، ينقلب نص "مذكرة إسلام آباد" في فقراته المركزية (الرابعة حتى السادسة، والعاشرة) ليعالج العصب الحقيقي للأزمة: الجيواقتصاد و مضيق هرمز . القراءة المتأنيّة لهذه الفقرات تتحدى افتراض أن أميركا فاوضت من موقع القوة، وتظهر الوثيقة كـ"لائحة شروط إيران يّة" رضخت لها واشنطن لتجنب كارثة طاقة عالمية.
تنازلات الدفعة المسبقة
الفقرتان الرابعة والعاشرة تلزمان واشنطن برفع الحصار البحري فوراً وإصدار إعفاءات لتصدير النفط الإيراني، جنباً إلى جنب مع الإفراج عن الأصول المجمدة، وذلك قبل التوصل إلى الاتفاق النهائي (الذي حُدد بـ 60 يوماً). هذا هو أضعف نقاط المنطق التفاوضي في الوثيقة. كيف يمكن لواشنطن أن تقدم "الجزرة" كاملة قبل الحصول على تنازلات استراتيجيّة ملزمة؟ هذا يعني أن إيران ستدخل مفاوضات الشهرين القادمين بخزائن ممتلئة وشرايين نفط مفتوحة، مما يفقد المفاوض الأميركي أي ورقة ضغط حقيقية.
وهم المليارات الـ300
في الفقرة السادسة، تتعهد واشنطن بوضع خطة لجمع 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران بالتعاون مع "شركاء إقليميين". هذا الادعاء هو الأضعف والأكثر انفصالاً عن الواقع في الوثيقة بأكملها. من أين ستأتي هذه الأموال؟ المؤكد أن واشنطن لن تدفع دولاراً واحداً من أموال دافعي الضرائب. الافتراض المبطّن هو إجبار دول الخليج على الدفع. هذا انحياز عاطفي مفرط للتفاؤل، يتجاهل تماماً الرفض الخليجي القاطع لتمويل اقتصاد دولة تُعتبر منافساً جيوسياسياً مباشراً، دون ضمانات أمنية صارمة غير موجودة في المذكرة أصلاً.
ونأتي الى الفقرة الخامسة حيث تمنح إيران حق الحوار مع سلطنة عمان لتحديد "الإدارة المستقبلية" لمضيق هرمز. هذه الزاوية تمثل تغييراً زلزالياً في عقيدة الأمن القومي الأميركي. فالسماح لطهران برسم قواعد الملاحة يهمّش الوجود البحري الغربي ويقرّ بسيادة إيرانيّة مقنّعة على أهم شريان طاقة في العالم.
الحَذِر والرابح الصامت
وفي سياق متّصل، تقرأ السعودية هذا الاتفاق بحذر استراتيجي بالغ. فالرياض، التي ترفض أن تكون "الصندوق المالي" لتسويات لا تراعي أمنها القومي، تجد في تهميشها عن صياغة أمن مضيق هرمز خطوة أميركية ناقصة تكرس التمدد الإيراني على حساب التوازن الخليجي.
على الضفة الأخرى، تجد الدوحة نفسها في موقع المستفيد الأكبر، حيث يكرّس الاتفاق استقرار خطوط تصدير الغاز ال قطر ي، ويعزّز دورها الدبلوماسي. أما في القاهرة، فالمسألة حسابيّة بحتة؛ إنهاء عسكرة المضائق وباب المندب يعني عودة شريان الحياة إلى قناة السويس التي نزفت اقتصادياً خلال الحرب، مما يوفر طوق نجاة للاقتصاد المصري.
في المقابل، نرى أنّ الصين هي الرابح الصامت. لأنّ تأمين تدفق النفط الإيراني دون عقوبات يضمن أمن طاقتها القومي، بينما انسحاب الأساطيل الأميركية يصب في مصلحة تمددها الاستراتيجي. أما باكستان ، عرابة الاتفاق، فقد حققت مكسباً مزدوجاً: أنقذت اقتصادها من الانهيار (بفعل تراجع أسعار الطاقة) ومنعت تدفق ملايين اللاجئين الإيرانيين عبر حدودها.
في المحصلة، لا يمثل الشق الجيواقتصادي من "مذكرة إسلام آباد" مجرد تسوية مالية عابرة أو ترتيبات ملاحية روتينية، بل هو إعلان صريح عن نهاية حقبة "المظلة الأمنيّة الأميركيّة" المطلقة في مياه الشرق الأوسط. لقد استبدلت واشنطن استراتيجية "الردع العسكري الصلب" باستراتيجية "الاسترضاء الاقتصادي"، دافعةً أثماناً باهظة من رصيد حلفائها الاستراتيجيين ومكانتها كشرطي أوحد للممرات المائيّة العالميّة، طمعاً في خفض أسعار الوقود وتأمين استقرار مؤقت لأسواق الطاقة.
وإلى أن تتضح آليات تنفيذ هذا الشق من الاتفاق -أو بالأحرى، آليات تفخيخه- بات لزاماً على دول الإقليم، وفي مقدمتها العواصم الخليجية، أن تتأقلم مع واقع دولي شديد البرودة؛ واقع يُثبت أن الأمن القومي لا يُمكن ارتهانه لوعود البيت الأبيض الخاضعة لبورصة الانتخابات. إن السلام الذي يُبنى على التنازل عن سيادة المضائق الحيوية، ويُشترى بـ"وهم مليارات" تُدفع من جيوب الآخرين، ليس سوى "استراحة محارب"، يمهد الطريق لولادة خريطة جيواقتصاديّة جديدة، يكون فيها التنين الصيني والنفوذ الإيراني هما المحدّدان الفعليّان لقواعد اللعبة القادمة.
المصدر:
النشرة