لم تكن العلاقة بين حزب الله ورئاسة الجمهورية في لبنان ، في أيّ مرحلة سابقة، علاقةً مستقرّةً بشكل دائم، لكنّها لم تكن أيضاً خطّاً مستقيماً من التدهور، بل كانت -بحسب مصادر مطّلعة على هذه العلاقة- أشبه بمسار متعرّج، تتقدّم فيه التفاهمات خطوةً ثم تعيد التوازنات الداخلية والإقليمية سحبَها إلى الوراء، إلى أن بلغت في الأشهر الماضية مستوىً من البرودة السياسية لم تبلغه من قبل.
في البداية، بدا أن مرحلة ما بعد انتخاب جوزاف عون رئيسا حملت معها تصوّراً مختلفاً للعلاقة بين بعبدا وحزب الله، من باب تقاطع الضرورات؛ إذ كان الرئيس يُعوّل على ضعف الحزب ليأخذ ما يريد بهدوء، فيما كان الحزب يرغب في تمرير الوقت ريثما يتعافى من ضربات الحرب الماضية، مع أقلّ قدر ممكن من الضغط الداخلي في لحظة إقليمية بالغة التعقيد. غير أن هذا التقاطع لم يتحوّل يوماً إلى إدارة مشتركة للمسار، بل بقي محكوماً بحدود دقيقة سرعان ما أخذت تتآكل منذ مطلع العهد الجديد.
مع الوقت، بدأت نقاط الخلاف تتكاثر، ولم يعد الأمر محصوراً في ملفات كبرى كمفهوم الدولة وقوّتها وموقع السلاح فيها، بل تسرّب إلى تفاصيل إدارة الدولة ذاتها: من التعيينات والتوازنات الحكومية، إلى شكل العلاقة مع المؤسسات الدولية ، وصولاً إلى أسلوب التعاطي مع طاولة المفاوضات. وكان كلّ ملف يُضيف طبقةً جديدة من التباعد، حتى لو ظلّ الخطاب العلني يحاول الحفاظ على الحدّ الأدنى من التماسك، إلى أن وقع الانفجار في آذار الماضي.
في الخلفية، أدّت التحولات الإقليمية دوراً أساسياً في إعادة رسم حدود هذه العلاقة؛ فكلّما اشتدّ الضغط الدولي على حزب الله، تراجعت بطبيعة الحال مساحة المرونة داخل المؤسسات اللبنانية، بما فيها رئاسة الجمهورية. وكلّما ازداد الانقسام الداخلي حدّةً، وجدت بعبدا نفسها مضطرّةً للتموضع في منطقة أقرب إلى خصوم الحزب محليّاً وخارجياً، وإن كانت عاجزةً عن المضيّ بعيداً في المواجهة قبل المواجهات الأخيرة و الحرب على لبنان و إيران . وهكذا تآكلت الثقة تدريجياً، ما فتح الباب أمام إظهار الخلاف علناً، قبل أن تعود محاولات احتوائه مؤخراً.
في هذا السياق، تأتي اللقاءات بين مستشار رئيس الجمهورية والنائب حسن فضل الله تعبيراً عن محاولة لإحياء قناة التواصل. وتشير المصادر عبر "النشرة" إلى أن هذه اللقاءات، وإن لم تُنتج بعدُ تفاهمات كبرى، تضطلع بوظيفة منع الانقطاع الكامل، وإبقاء خطوط التفاهم المتبادل قائمةً في حدودها الدنيا، لا سيّما في الملفات الحساسة.
وترى المصادر أن المشهد اللبناني لم يعد يحتمل مزيداً من القطيعة بين مراكز القرار، كما لم يعد قادراً على الاكتفاء بتفاهمات شكلية لا تُترجَم إدارةً فعلية للأزمات. من هنا، تؤكد المصادر أن أيّ محاولة لإعادة وصل ما انقطع مرهونةٌ أولاً بمدى استعداد الطرفَين، والأهمّ مدى اقتناع رئيس الجمهورية بأنه لا يمكن تجاوز مكوّن أساسي في البلاد، ولا فصل مسار لبنان عن مسارات المنطقة، فضلاً عن استحالة التعويل على "صديقه" الرئيس الأميركي دونالد ترامب .
وتؤكد المصادر أن حزب الله لا يسعى إلى مواجهة داخلية مفتوحة في الوقت الراهن، وأن رئاسة الجمهورية بدورها لم تعد قادرة على إدارة ملفاتها بالطريقة القديمة ذاتها، مشيرةً إلى أن المساعي مستمرة لعقد لقاء مباشر بين عون والحزب حين تنضج الظروف المناسبة التي يمكن أن تُعيد الثقة المفقودة، وإن كان ذلك يستلزم وقتاً وجهداً كبيرَين.
المصدر:
النشرة