يمكن القول إن الحرب انتهت عملياً، بمعزل عن المدة الزمنية التي قد يستغرقها الانسحاب
الإسرائيلي من الأراضي
اللبنانية ، إذ إن وقف إطلاق النار لم يكن نتيجة تطورات ميدانية لبنانية فحسب، بل جاء في سياق تفاهم أميركي – إيراني أوسع يفترض أن يدخل حيّز التنفيذ رسمياً يوم الجمعة مع توقيع الاتفاق بين الطرفين.
وقد سارع
لبنان الرسمي إلى الترحيب بهذا التفاهم، مثمنا ما ورد في الاتفاق من تأكيد على خصوصية الوضع اللبناني والإقرار بأن أمن لبنان واستقراره يشكلان جزءاً أساسياً من أي جهد جاد يهدف إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي، غير أن المفارقة تكمن في أن السلطة نفسها كانت قد ذهبت منذ الثاني من آذار إلى أقصى درجات التشدد في مقاربتها لملف
حزب الله وإيران، مستندة إلى تقديرات سياسية أثبتت التطورات اللاحقة أنها لم تكن دقيقة.
فمع اندلاع الحرب على
إيران ، ساد لدى العديد من القوى السياسية في لبنان اعتقاد بأن النظام الإيراني يتجه نحو السقوط أو التفكك، وأن البلاد مقبلة على مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، بما ينعكس مباشرة على موقع "حزب الله" ومستقبله. وعلى أساس هذه القراءة، ارتفع منسوب الخطاب السياسي ضد "الحزب"، ووصل الأمر إلى حد اعتبار ما قام به منذ الثاني من آذار مخالفاً للقانون، بالتوازي مع سلسلة إجراءات ومواقف رسمية اتخذت تحت تأثير مناخ إقليمي ودولي اعتُقد أنه يتجه نحو إضعاف إيران وحلفائها بصورة نهائية.
وفي هذا السياق برز القرار الذي اتخذه
وزير الخارجية يوسف رجي بحق السفير الإيراني محمد رضا شيباني، حين أبلغه أنه شخص غير مرغوب فيه وأمهله حتى الأحد التالي لمغادرة لبنان. إلا أن هذا القرار بقي عملياً خارج التنفيذ، إذ لا يزال السفير موجوداً في لبنان نتيجة تدخلات سياسية قادها"حزب الله" ورئيس مجلس النواب
نبيه بري ، ما يعكس الفجوة بين القرارات التي اتخذت وبين القدرة الفعلية على تطبيقها.
والأهم أن المعطيات الحالية تشير إلى أن شيباني لن يغادر لبنان، بل إن المسار يسير في اتجاه تسليم أوراق اعتماده وقبولها رسمياً، وهو ما يعمل عليه الرئيس نبيه بري بالتنسيق مع رئيس الجمهورية جوزاف
عون. وهذا التطور يعكس حجم التحول الذي فرضته نتائج التفاهم الأميركي – الإيراني على المشهد اللبناني.
وفي ضوء ما جرى، يبدو أن السلطة وقعت في سلسلة من المواقف التي كان يمكن تجنبها لو أنها اعتمدت مقاربة أكثر حذراً. ويستعيد كثيرون اليوم موقفها قبل مجزرة الثامن من نيسان، حين سارعت إلى التأكيد أن لبنان لا يقبل أن يتم التفاوض باسمه أو نيابة عنه. والحال أن طهران لم تكن قد أعلنت آنذاك أنها ستتفاوض عن لبنان، بل تحدثت عن شمول لبنان بوقف إطلاق نار لمدة خمسة عشر يوماً ضمن إطار تفاهمات إقليمية أوسع.
وبعد ذلك التاريخ، دخلت وساطات عربية، ولا سيما سعودية، على الخط، ما دفع رئيس الجمهوريةالعماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى اعتماد خطاب أكثر هدوءاً، كما انعكس الأمر على مواقف عدد من الأحزاب المعارضة التي بدأت تتعامل بواقعية أكبر مع مسار المفاوضات الإقليمية الجارية.
أما اليوم، فقد تبدل المشهد بالكامل. فالتفاهم الأميركي – الإيراني أصبح أمراً واقعاً، وتشير المعلومات إلى أن لبنان الرسمي تلقى رسائل أميركية غير مباشرة تدعوه إلى عدم الاعتراض على الاتفاق والترحيب به، وعدم تكرار الموقف الذي اتخذ في نيسان الماضي. وفي المقابل، بادر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى التواصل مع كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري، واضعاً إياهما في أجواء الاتفاق ومراحله التنفيذية.
وخلال هذه الاتصالات جرى التشديد على أهمية مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية لتثبيت الاستقرار المستدام في المنطقة، بما ينعكس إيجاباً على شعوبها ودولها. كما أكد الرئيس عون أن استقرار لبنان وأمنه وسيادته تبقى أولوية وطنية لا يمكن التنازل عنها، فيما شدد عراقجي على حرص طهران على إنهاء الحرب ووقف الاعتداءات
الإسرائيلية على لبنان، محملاً واشنطن مسؤولية ضمان تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها.
في المرحلة الحالية، تتجه الأنظار إلى مسألتين أساسيتين: الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان، والتزام
إسرائيل بوقف إطلاق النار. أما"حزب الله"، وفق ما تؤكد مصادره، فلن يقبل بالعودة إلى ما قبل الثاني من آذار، باعتبار أن التطورات الأخيرة أفرزت وقائع سياسية جديدة لا يمكن تجاوزها.
في المقابل، تبدو السلطة أمام واقع مختلف تماماً عن ذلك الذي بنت عليه حساباتها خلال الأشهر الماضية. فالكثير من التوقعات التي راهنت عليها بشأن نتائج الحرب لم تتحقق، ما يفرض عليها مراجعة سياسية شاملة للخيارات والقرارات التي اتخذتها. بل إن بعض الأوساط السياسية تتحدث عن إمكان إيجاد مخارج قانونية وسياسية تسمح بالتراجع عن توصيف بعض أفعال الحزب بأنها خارجة عن القانون، خصوصاً إذا كان التفاهم الأميركي – الإيراني الجديد سيفرض مقاربة مختلفة للملف اللبناني برمته، كما أن ملف السلاح شمال الليطاني، الذي شكل محوراً أساسياً في النقاشات الداخلية والخارجية، قد يجد طريقه إلى المعالجة ضمن تفاهمات إقليمية ودولية أوسع، بدلاً من أن يبقى مادة صراع داخلي مفتوح.
ومن هنا، يرى بعض أركان"الثنائي الشيعي" أن السلطة استنزفت أوراقها السياسية من دون أن تحقق النتائج التي وعدت بها. فهي، من وجهة نظرهم، لم تنجح في وقف العدوان الإسرائيلي، كما أنها دخلت في مسارات تفاوضية من دون امتلاك عناصر قوة كافية، ولم تعترض على بيانات أو مواقف دولية اعتبرها خصومها تمس بالسيادة اللبنانية.
مع ذلك، فإن قراءة المرحلة لا يمكن أن تقتصر على تحميل السلطة وحدها مسؤولية الأخطاء. فكما أن السلطة مدعوة إلى مراجعة حساباتها، فإن "حزب الله" أيضاً أمام استحقاق مماثل. فالحرب وما سبقها وما رافقها كشفت الحاجة إلى مراجعة العديد من الخيارات السياسية والخطابية، ولا سيما ما يتعلق بمنطق التصعيد الداخلي ولغة التخوين والتشكيك بالخصوم.
لكن هذه المراجعة لا تبدو محل إجماع داخل "الحزب" نفسه. فبحسب أوساط مطلعة، ترفض فئة واسعة من كوادر "الحزب"وقواعده السياسية النهج التهدوي الذي يعتمده عدد من مسؤوليه في مقاربة المرحلة الجديدة، معتبرة أن السلطة لم تكتفِ بإدارة الخلاف السياسي مع "الحزب"، بل وفّرت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ذرائع إضافية لإسرائيل لمواصلة عمليات القصف والاغتيال واستهداف لبنان خلال الحرب.
ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن "الحزب" مطالب اليوم باعتماد نهج سياسي أكثر تشدداً في مواجهة السلطة، وبإعادة صياغة علاقته بالقوى السياسية الداخلية على أسس مختلفة عن تلك التي حكمت المرحلة السابقة. في المقابل، تدفع أوساط أخرى داخل الحزب نحو إعطاء الأولوية للاستقرار الداخلي وتفادي الانزلاق إلى مواجهة سياسية مفتوحة، انطلاقاً من قناعة بأن المرحلة المقبلة تتطلب إدارة الخلافات بحذر، خصوصاً في ظل التفاهمات الإقليمية الجديدة والتحولات التي تشهدها المنطقة.
وبين هذين الاتجاهين، يبدو أن "الحزب"، كما السلطة، يقف أمام لحظة مراجعة فعلية ستحدد إلى حد كبير شكل الحياة السياسية اللبنانية في مرحلة ما بعد الحرب، وما إذا كانت البلاد ستتجه نحو تسويات داخلية جديدة أو نحو جولة جديدة من الصراع والانقسام السياسي.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بنتائج الحرب أو بترتيبات وقف إطلاق النار، بل بقدرة اللبنانيين على إنتاج مقاربة سياسية جديدة تقلل من مناخ الانقسام وتفتح الباب أمام إدارة أكثر توازناً للخلافات الداخلية. أما الاستمرار في النهج السابق، سواء من جانب السلطة أو من جانب" الحزب"، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات وإبقاء الجميع في موقع الخاسر، مهما اختلفت أحجام الخسائر وأشكالها.