قالت منظمة العفو الدولية إن الاستخدام المتكرر من جانب الجيش
الإسرائيلي لأوامر “الإخلاء” الجماعي وعدم العودة غير المشروعة، من أجل تهجير وترويع مئات الآلاف من الأشخاص في
لبنان ، يشكل انتهاكا صارخًا للقانون الدولي الإنساني. وفي جنوب لبنان، استُخدِمت هذه الأوامر كأداة متعمدة لتهجير المدنيين قسرًا من منازلهم، ومن ثم منعت
إسرائيل عشرات الآلاف منهم من العودة إليها. ويُعدّ ذلك نقلًا غير مشروع يصل، بوصفه انتهاكًا جسيمًا لاتفاقية جنيف الرابعة، إلى حد جريمة حرب.
في تحقيق جديد يجمع بين تحليل أوامر الجيش الإسرائيلي الصادرة إلى سكان لبنان عبر منصة إكس منذ عام 2024، ومقابلات مع أشخاص هُجّروا من المناطق التي أعلنتها إسرائيل من جانب واحد مناطق يُمنع العودة إليها، وتحليل المصادر المفتوحة، تبين لمنظمة العفو الدولية أن الجيش الإسرائيلي وسَّع جذريًا استخدامه للتهجير الجماعي في لبنان في 2026، معرِّضًا عددًا أكبر بكثير من السكان، وبوتيرة أعلى بكثير من 2024، لسيل من أوامر “الإخلاء” الجماعي غير المشروعة، في حين أنه واصل دفع خطته قدمًا لتدمير المزيد من المنازل والبنية التحتية المدنية، وإفراغ أجزاء كبيرة من الجنوب من السكان.
وقالت كريستين بيكرلي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: “على مدى السنتين ونصف السنة الماضية، ألحقت الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله خسائر مدمرة بالمدنيين. وعلاوةً على ذلك، فإن الاستخدام واسع النطاق من جانب إسرائيل لأوامر’الإخلاء‘ الجماعي التي شملت مساحات شاسعة من لبنان أدى على نحو متكرر وغير مشروع إلى تهجير مئات آلاف الأشخاص. ففي 2026، كما في 2024، لم تقترن الأوامر العشوائية التي أصدرتها إسرائيل بتدابير لضمان سلامة وأمان الأشخاص الذين جرى إخلاؤهم، ولم تقدم معلومات أو إرشادات مجدية للمدنيين كي يتخذوا قرارات مستنيرة بشأن ما إذا كانوا سيفرون وإلى متى، ولم تلغ هذه الأوامر قط، حتى بعدما توقفت الأعمال القتالية في المناطق التي خضعت لهذه الأوامر، كما يقتضي القانون الدولي الإنساني”.
“وفي أجزاء واسعة من جنوب لبنان، أُتبِعت أوامر ’مغادرة الجميع‘ التي أصدرتها إسرائيل بأوامر ’عدم العودة‘. ويرقى التهجير القسري، ومنع عودة عشرات آلاف المدنيين من أهل جنوب لبنان من جانب إسرائيل، إلى حد النقل غير المشروع الذي يُعدّ انتهاكًا جسيمًا لاتفاقية جنيف الرابعة، وبالتالي يشكل جريمة حرب”. وبدلًا من اقتلاع المجتمعات من أراضيها بالقوة وتحديد مساحات شاسعة بأكملها من الأراضي
اللبنانية كمناطق محظورة على المدنيين، يجب على القوات
الإسرائيلية الانسحاب فورًا من الأراضي اللبنانية. وينبغي السماح للنازحين بالعودة بأمان وحرية إلى أراضيهم، ويتعين على إسرائيل تقديم تعويض لضحايا انتهاكاتها للقانون الدولي الإنساني، بمن فيهم أولئك الذين دمرت إسرائيل منازلهم بصورة غير مشروعة”.
يشير التحليل الذي أجرته منظمة العفو الدولية إلى أن الجيش الإسرائيلي وسَّع على نحو ملموس نطاق استخدامه لأوامر “الإخلاء” الجماعي، فأصدرها بوتيرة أعلى وعبر مساحات أوسع من البلاد خلال التصعيد الذي حدث في عام 2026 مقارنةً بعام 2024.
وردًا على أسئلة منظمة العفو الدولية، نفى الجيش الإسرائيلي بإنه أصدر أوامر إخلاء إلزامي، زاعمًا أنه أصدر “تحذيرات مسبقة للمدنيين” وأن هذه لم تكن أوامر إلزامية بل “توصيات”. وقد أوضحت منظمة العفو الدولية سابقًا لماذا لا تشكل أوامر “الإخلاء” الجماعي تحذيرات مسبقة فعالة وميّزت بين هذه التحذيرات، الصادرة قبل شن هجوم [وفق مبدأ الحيطة] والمتعلّقة بموقع محدد مثل مبنى، وبين أوامر “الإخلاء” الجماعي التي تصدر لقوائم من القرى وبشأن مساحات شاسعة من الأراضي، في التحليل الذي أجرته.
وزعم الجيش الإسرائيلي في رسالته بانه “لا يوجد حظر على عودة المدنيين اللبنانيين إلى منازلهم”، لكن في 15 حزيران، وبعد ورود تقارير أفادت بأن
الولايات المتحدة وإيران اتفقتا على وقف لإطلاق النار يشمل لبنان، صرّح
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن القوات الإسرائيلية “ستبقى في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة من دون أي حدّ زمني”، وأن هذه المناطق “سيجري إخلاؤها من السكان المحليين ومن جميع البنى التحتية الإرهابية…بما في ذلك المنازل في القرى الحدودية التي كانت بمثابة معاقل للإرهابيين…”.
إضافة إلى أوامر “الإخلاء” الجماعي، وسّع الجيش الإسرائيلي أيضًا مساحة المنطقة اللبنانية الخاضعة لأوامر عدم العودة. وفي 28 تشرين الثاني 2024، اليوم الذي تلا دخول وقف سابق لإطلاق النار حيز التنفيذ، حدد الجيش الإسرائيلي منطقة تغطي نسبة 4.6% من مساحة لبنان تقريبًا كمنطقة محظورة على السكان.
وفي 2026، بعد مضي ثلاثة أيام فقط على إعلان وقف إطلاق النار في 17 نيسان، نشر الجيش الإسرائيلي خريطة جديدة تُبين منطقة موسّعة تغطي 6% من مساحة أراضي لبنان، مُصنفًا إياها بما أسماه منطقة “الدفاع الأمامي” وأصدر تعليمات للناس بعدم العودة إلى قائمة طويلة من القرى داخل هذه المنطقة. وكانت المنطقة سابقًا موطنًا لعشرات الآلاف من المدنيين.
وقد وثّقت منظمة العفو الدولية سابقًا كيف أن الجيش الإسرائيلي خلّف وراءه أثرًا من الدمار المتعمد في أجزاء من المنطقة التي يُمنع العودة إليها قبل وبعد دخول وقف إطلاق النار عام 2024 حيز التنفيذ. وبحلول عام 2026، أظهرت صور القمر الصناعي سنتينل 2، وهي صور تتميز بدقة 10 أمتار، هدم شبه تام لكافة المناطق تقريبًا على طول الحدود، وهي تشكل جزءًا كبيرًا من المنطقة التي يُمنع العودة إليها والتي أجرت منظمة العفو الدولية سابقًا تحليلًا لها في 2024. وربما تًركت مبانٍ معزولة وأجزاء من القرى سليمة في وقت سابق، ولكن الآن، سُويت جميع تلك المباني تقريبًا بالأرض وتوسَّع التدمير الشديد ليشمل مناطق [A1] تقع في عمق أكبر داخل المنطقة التي يُمنع العودة إليها.
ويمنع القانون الدولي الإنساني منعًا باتًا التهجير القسري للمدنيين. ولا يجوز إصدار أمر بالإخلاء الجزئي أو الكامل للمدنيين إلا كتدبير استثنائي لضمان أمن السكان أو لأسباب عسكرية قهرية – ناشئة مباشرة من العمليات العسكرية – ولا يجب أن يُستخدم إلا كملاذ أخير.
يجب أن يكون أي إخلاء مؤقتًا، وأن يجري في ظل أوضاع آمنة وإنسانية، ويجب السماح للذين يتم إخلاؤهم بالعودة إلى منازلهم حالما تتوقف الأعمال القتالية في المنطقة المعنية. وحيث يُهجَّر المدنيون قسرًا في غياب أسباب مشروعة لعمليات الإخلاء، أو يُمنعون من العودة إلى منازلهم، يصل ذلك إلى حد الانتهاك الجسيم المتمثل بالنقل غير المشروع بموجب المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة، ويُعدّ هذا الانتهاك جريمة حرب.
وأردفت كريستين بيكرلي قائلة إنه “بعد مضي سنتين ونصف السنة، بات من الضروري للغاية أن يتحرك المجتمع الدولي، وينبغي على الدول أن تضغط من أجل وقف دائم ومستدام لإطلاق النار، وأن تحثّ الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من الأرض اللبنانية، وأن تُفعِّل آليات المساءلة والعدالة الوطنية والدولية، وأن تُعلِّق كافة شحنات الأسلحة والعتاد العسكري، التي من شأنها أن تسهل ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي، إلى إسرائيل”.
المنهجية
أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 19 شخصًا في آذار ونيسان 2026، من بينهم 18 شخصًا من مناطق خضعت لأوامر “الإخلاء” الجماعي وعاملة في مجال الإغاثة. ومن بين الأشخاص الـ18، ظلّ 12 نازحين، بينهم تسعة من قرى خاضعة لأوامر عدم العودة وثلاثة من مناطق تقع خارج منطقة عدم العودة. أما الستة الآخرون فقد بقوا في قرى ذات أغلبية مسيحية، لكنهم أشاروا إلى الانهيار الممنهج للخدمات الأساسية.
وحلل مختبر أدلة الأزمات التابع لمنظمة العفو الدولية 447 أمرًا صدر لسكان لبنان ونُشر في حساب إكس للمتحدث بلسان جيش الدفاع الاسرائيلي للإعلام العربي بين 23 أيلول 2024 و31 أيار 2026، وأجرى تحليلًا مقارنًا للأوامر الصادرة خلال تصعيديْ 2024 و2026، فاحصًا نطاقها، ومحتواها، ووتيرتها. ومن أصل هذه الأوامر، كانت 215 عبارة عن تحذيرات مسبقة باستهداف مواقع محددة، وكانت 36 أوامر “إخلاء” جماعي خلال تصعيد عام 2024، وكانت 135 عبارة عن أوامر “إخلاء” جماعي خلال تصعيد عام 2026، وكانت 61 أوامر بعدم العودة أمرت السكان بعدم العودة إلى المناطق التي أُخليت.
وبعثت منظمة العفو الدولية برسالة إلى الجيش الإسرائيلي في 22 أيار 2026 لاطلاعه على النتائج التي توصلت إليها وتلقَّت ردًا في 3 حزيران 2026.
أوامر مغادرة الجميع: استخدام إسرائيل المتصاعد لأوامر “الإخلاء” الجماعي
منذ عام 2024، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر “إخلاء” جماعي شاملة وعشوائية وجهت تعليمات للسكان بمغادرة منازلهم فورًا وإلى أجل غير مسمى ولم تصحبها أي تدابير لضمان سلامة وأمان الأشخاص الذين تم إخلاؤهم، كما هو مطلوب بموجب القانون الدولي. وبينما استُخدِمت كما زُعم لإبلاغ المدنيين بالأعمال القتالية المقبلة التي يمكن أن تعرِّضهم للخطر، فإن الأوامر، التي صدرت أحيانًا في منتصف الليل أو رافقتها خرائط غامضة، شملت قرى بأكملها، وقوائم بأسماء القرى، ومساحات شاسعة من الأرض.
وتبيّن لمنظمة العفو الدولية أن أوامر “الإخلاء” الجماعي هذه لم تُقدِّم أي معلومات مجدية حول المكان أو الزمان الذي قد يشنّ فيه الجيش الإسرائيلي ضرباته، ولم تُقدم للمدنيين إرشادات لاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن ما إذا كان عليهم الفرار، أو إلى متى. وفي حين أن بعض الأوامر شملت مساحات كانت، في حينه، تشهد قتالًا جاريًا أو مساحات نفَّذ فيها الجيش الإسرائيلي هجمات لاحقة، إلا أن الأوامر اشتملت أيضًا على مناطق كانت بعيدة عن ساحة القتال.
ومنذ عام 2024، زاد الجيش الإسرائيلي على نحو ملموس من استخدامه لأوامر “الإخلاء” الجماعي مقارنةً باستخدامه لتحذيرات مسبقة أكثر تحديدًا. وكان هذا التحوُّل جليًا بشكل خاص في الضاحية الجنوبية لبيروت: ففي 2024، لم يُصدر الجيش الإسرائيلي أي أوامر “بالإخلاء” الجماعي للضاحية. وفي 2026، أصدر 27 أمرًا من هذا القبيل بين آذار وأيار. وقد تراجع عدد التحذيرات المسبقة التي أصدرها الجيش الإسرائيلي بخصوص أبنية محددة في الضاحية تراجعًا كبيرًا من 107 في 2024 إلى 15 في 2026 – لم ينشر إلا ثلاثة منها بعد صدور الأمر الأول “بالإخلاء” الجماعي للمنطقة.
وقد تأثر سكان جنوب لبنان بوجه خاص باستخدام إسرائيل لأوامر “الإخلاء” الجماعي غير المشروعة، لاسيما في 2026. وبين سبتمبر/أيلول 2024 ومايو/أيار 2026، أصدر الجيش الإسرائيلي 171 أمر “إخلاء” جماعي موجّه إلى سكان لبنان على حسابه في منصة إكس – 135 منها في 2026. ووجّه الجيش الإسرائيلي حوالي ثلاثة أرباعها (76%) إلى سكّان جنوب لبنان. وتوزّعت البقية بين ضاحية
بيروت الجنوبية (15%) ومناطق البقاع (5%).
وخلال الساعات الـ 48 الأولى من التصعيد في 2026، أصدر الجيش الإسرائيلي أكبر عدد من أوامر “الإخلاء” الجماعي حتى تاريخه، شاملًا جميع المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني – زهاء 8.5% من مساحة لبنان. وبعد بعضة أيام، أصدر الجيش الإسرائيلي أمرًا أكثر اتساعًا من سابقه، شمل المنطقة الواقعة جنوب نهر الزهراني، أي قرابة 10% من مساحة لبنان وموطن لحوالي 800,000 نسمة. وأعاد الجيش الإسرائيلي نشر الأمر نفسه 13 مرة حتى 17 أبريل/نيسان 2026، عندما أُعلن وقف لإطلاق النار. واستمرت الأعمال القتالية بوتيرة أقل حدة في البداية، قبل أن تتصاعد من جديد.
وفي 27 أيار 2026، أول أيام عيد الأضحى، أصدر الجيش الإسرائيلي الأمر بالغ الاتساع نفسه مرة أخرى، وجَّهَ بموجبه جميع سكان جنوب لبنان بالانتقال إلى شمال نهر الزهراني، قائلًا إن الجيش الإسرائيلي يعدّ “جميع المناطق الواقعة جنوب النهر… مناطق قتال”. كذلك شملت الأوامر الجديدة قرىً واقعة شمال نهر الزهراني، بما يشمل نسبة 15% من كامل مساحة البلاد.
وقالت كريستين بيكرلي إن “إصدار أوامر ’إخلاء‘ شاملة لا يعفي الجيش الإسرائيلي من الواجبات المترتبة عليه بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية الممكنة للتقليل من الضرر الذي يلحق بالمدنيين، وبالتأكيد لا يعطي الجيش الإسرائيلي الحق في التعامل مع هذه المناطق على أنها مناطق رماية حرّة”.
وفي أجزاء عديدة من لبنان، تكررت أوامر “المغادرة الفورية” التي أصدرتها إسرائيل مرة تلو أخرى.
واجهت “هالة” (اسم مستعار)، وهي في مطلع الستينات من عمرها، من شقرا، التي هي قرية بمحافظة النبطية في جنوب لبنان، أوامر “إخلاء” جماعي متكررة – مرتان في أكتوبر/تشرين الأول وتشرين الثاني 2024 وخمس مرات أخرى على الأقل بين آذار وأيار 2026، ومن ضمنها أمر صدر بُعيد إعلان وقف إطلاق النار في 17 نيسان.
في 2 آذار 2026، وفي تمام الساعة 4:04 صباحًا، أصدر الجيش الإسرائيلي أمر “إخلاء” جماعي لشقرا و52 قرية أخرى. ولم تطَّلع هالة على الأمر. وبحلول الصباح، كان العديد من الناس قد فروا من القرية. وقالت إن “الجميع غادروا قبلي…استيقظت لأجد الحي بأكمله خاليًا”، وعندما وجدت في النهاية وسيلة نقل، استغرقت الرحلة إلى بيروت، التي تحتاج عادة إلى حوالي الساعتين ونصف الساعة، 24 ساعة.
في أعقاب وقف إطلاق النار في نيسان 2026، وقعت أجزاء من شقرا، إلى جانب 20 قرية أخرى، على خط حدده الجيش الإسرائيلي من جانب واحد لترسيم الحدود الداخلية لمنطقة “عدم العودة”. وسُمح للسكان النازحين بالعودة إلى أجزاء من قريتهم لكنهم مُنعوا من دخول المناطق الواقعة جنوب الخط.
وقامت هالة بزيارة قصيرة لمنزلها في 20 نيسان، لأخذ بعض الملابس الصيفية، قبل العودة إلى بيروت. وبعد ثمانية أيام، أصدر الجيش الإسرائيلي أمر “إخلاء” جماعي آخر شمل قرية شقرا بأكملها.
وقالت هالة إن “قريتي شبه خالية من معالم الحياة. فمعظم الناس الذين عادوا [عقب وقف إطلاق النار] قد غادروها مجددًا”.
أوامر ’عدم العودة‘: منطقة عدم العودة الموسَّعة التي حدّدتها إسرائيل
صرح مسؤولون إسرائيليون علنًا أن هدف إنشاء منطقة “عازلة” أو “أمنية” داخل الأراضي اللبنانية هو لحماية السكان في شمالي إسرائيل من الهجمات المحتملة لحزب الله. وقد ربطوا صراحة بين هدف الحماية والتهجير واسع النطاق وطويل الأمد للسكان، مرفقًا بالمزيد من التدمير في جنوب لبنان.
في 20 نيسان 2026، بعد ثلاثة أيام من إعلان وقف إطلاق النار في 17 نيسان، نشر الجيش الإسرائيلي خريطة تحدد منطقة “دفاع أمامي” تمتد مسافة 8 إلى 12 كيلومترًا داخل الأراضي اللبنانية وتغطي مساحة تقارب 600 كم² من البر والبحر. وأورد الجيش الإسرائيلي أسماء 74 قرية، مانعًا السكان من العودة إلى 53 قرية منها ومن العبور إلى جنوب 21 منها. كذلك منع الجيش الإسرائيلي الاقتراب من نهر الليطاني ووادييْ الصالحاني والسلوقي.
ووسَّعت خريطة نيسان 2026 مساحة منطقة عدم العودة التي نشرها الجيش الإسرائيلي في 28 تشرين الثاني 2024، في اليوم الذي تلا سريان مفعول وقف سابق لإطلاق النار. وشملت خريطة 2024 نحو 480 كلم²، أو نسبة 4.6% من مساحة لبنان، وأدرجت 68 قرية، من بينها 58 مُنع السكان من العودة إليها و10 مُنعوا من العبور إلى جنوبها.
وتضمنت خرائط وقوائم القرى التي أصدرها الجيش الإسرائيلي معلومات جغرافية غير دقيقة، وتكرارات، وأخطاء هجائية، ما تسبب بالتباس حول المناطق التي أُمِر السكان بعدم العودة إليها وتلك التي يمكن للسكان العودة إليها بأمان.
وفي آذار ونيسان 2026، أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع تسعة أشخاص نازحين من قرى شُملت في أوامر عدم العودة التي أصدرها الجيش الإسرائيلي عامي 2024 و2026. وقد تمكن خمسة من العودة إلى منازلهم في 2025 لكنهم هُجِّروا مجددًا في 2026. ومُنع أربعة من العودة الفعلية إلى منازلهم منذ عام 2024.
وبين تشرين الثاني 2024، عندما أصدر الجيش الإسرائيلي أول خريطة له بعدم العودة، وشباط 2025، عندما انسحب من أجزاء من جنوب لبنان، أصدر الجيش الإسرائيلي 35 إشعارًا يُحظر على سكان جنوب لبنان العودة إلى منازلهم حتى إشعار آخر. وقد منعت ست من هذه الرسائل الوصول إلى بساتين زيتون تحديدًا. وتشكل الزراعة مصدرًا رئيسيًا للدخل بالنسبة للمنطقة، التي تضم ما يزيد على ثلث مجموع محصول الزيتون في لبنان. وخلال هذه الفترة، قتل الجيش الإسرائيلي ما لا يقل عن 81 مدنيًا وأصاب 120 بجروح بينما كانوا يحاولون الوصول إلى قرى جنوبية، بحسب مفوضية
الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
في 18شباط 2025، انسحب الجيش الإسرائيلي من أجزاء من جنوب لبنان لكنه بقي في بضع نقاط “استراتيجية”. وبالإضافة إلى هذه النقاط، قام الجيش الإسرائيلي بتدمير ممتلكات مدنية على نطاق واسع واستمر في تشغيل المُسيّرات وشن هجمات متقطعة.
وقال خمسة من السكان النازحين الذين تحدثوا إلى منظمة العفو الدولية إنهم تمكنوا من العودة إلى قراهم في 2025 في أعقاب الانسحاب. ووصف الخمسة جميعهم كيف باشروا بإعادة بناء منازلهم، على الرغم من الدمار واسع النطاق والمراقبة شبه المستمرة بالمُسيّرات. وقد هُجِّر الخمسة جميعهم مرة أخرى في آذار 2026 ولم يتمكنوا من العودة بحلول أيار.
وقال أربعة من السكان النازحين الذين تحدثوا إلى منظمة العفو الدولية إنهم لم يتمكنوا من العودة الفعلية إلى منازلهم منذ عام 2024. وكان الأربعة من كفركلا والعديسة، وتقع كلا القريتين على مسافة تبعد بين 100 و300 متر من الحدود الإسرائيلية. وأشاروا إلى التدمير الهائل لمنازلهم وقراهم، والوجود المستمر للجيش الإسرائيلي، وخطر التعرض للهجوم، بوصفها حواجز أساسية تحول دون عودتهم. وقد فحصت منظمة العفو الدولية التدمير واسع النطاق الذي ألحقه الجيش الإسرائيلي بكفركلا والعديسة في تقرير أصدرته في عام 2025.
وقال جميع الأربعة، الذين لا يزالون نازحين، إنهم اضطروا إلى طلب إذن للعودة إلى قراهم حتى لزيارات قصيرة للغاية لدفن أحبائهم.
وقالت “سلمى” (اسم مستعار)، التي عادت إلى كفركلا لدفن جدتها: “أَعطونا 10 دقائق…وكانت المُسيّرة [الإسرائيلية] تُحلِّق فوقنا… تستجمع قواك وتذهب، تبكي لمدة 10 دقائق، وتغادر. ويتم كل ذلك
على الطريق التي حددوها لك”. وفي 30 آذار 2026، شاهدت سلمى تقارير إخبارية تفيد بأن المقبرة القديمة التي دُفن فيها جزء كبير من أفراد الأسرة قد جُرفت.
وعادت جمانة، التي هدمت القوات الإسرائيلية منزلها بالعديسة في عام 2024، إلى القرية لدفن عمتها التي توفيت بمرض السرطان بينما كانت نازحة. وقد حصلت عائلتها على إذن بالدفن في نيسان 2025، تحت إشراف الجيش اللبناني، بينما كانت المُسيّرات الإسرائيلية تحوم فوق رؤوسهم: “إخراج [الرفات]، وحمل النعش من جديد، والإصغاء إلى الصلاة مرة أخرى، وإعادة فتح القبر، وإعادة الدفن—إنها أقسى تجربة عشتها في حياتي”.
ووصفت جمانة ما شهدته من تدمير لقريتها بالقول: “لم تبق لنا طرقات. قُدتُ السيارة لمسافة قصيرة وفجأة وجدت نفسي في حقول مفتوحة. جرفوا الطريق، ألحقوها بالأراضي الزراعية… دُمرت البيوت، واختفت المباني، وخُربت الطرقات… لا ماء ولا كهرباء… ولم يعد أحد إلى القرية. لم يُبقوا فيها أي علامة من علامات الحياة”.
خلفية
هذا البحث هو الأول في سلسلة من التحقيقات التي تفحص انتهاكات القانون الدولي خلال التصعيد الذي حدث عام 2026 في لبنان.
واعتبارًا من 7 حزيران 2026، ذكرت وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية أن ما يزيد على مليون شخص يظلون نازحين. ويُقدَّر بأن 64,000 شخص ظلوا نازحين عقب وقف إطلاق النار في 2024.
ومنذ تصاعد حدّة الحرب في 2 آذار، وحتى 12 حزيران، قُتل ما يزيد على 3,700 شخص في لبنان، بحسب ما ذكرته
وزارة الصحة العامة. وقد استمرت الأعمال القتالية، برغم الإعلانات المتعددة لوقف إطلاق النار، حيث واصلت إسرائيل وحزب الله تبادل الهجمات، مع شن إسرائيل غارات جوية في مختلف أنحاء لبنان، وإطلاق
حزب الله صواريخ ومُسيّرات نحو إسرائيل.