باحتمال خطأ ضئيل جدًّا، يمكن القول إنّ مرحلة الاستفراد بمصير
لبنان باتت أمام مراجعة
واسعة ، في ظلّ تحوّلات إقليميّة ودوليّة تُعيد فتح ملفّاتٍ كانت مؤجّلة أو معلّقة. وقد يجوز القول إنّ النظام اللّبنانيّ يشهد اهتزازات سياسيّة وأمنيّة تجعل الستاتيكو، الذي استمرّ سنوات، أقلّ قدرةً على الصمود أمام الضغوط الجديدة.
لكنّ العنصر الأكثر تأثيرًا في هذه المرحلة قد لا يكون لبنانيًّا أصلًا. فالاتفاق الأميركيّ – الإيرانيّ، ومعه المسار التفاوضيّ بين لبنان وإسرائيل، والوقائع والتصريحات والتحولات المفاجئة، أعادت رسم الإطار الذي يُناقش داخله ملفّ السلاح. ذلك أنّ لبنان كان تاريخيًّا جزءًا من أيّ تفاوض بين واشنطن وطهران، ولو بدرجات متفاوتة، باعتباره إحدى ساحات النفوذ الإيرانيّ الأكثر حساسيّة والأكثر ارتباطًا بالأمن الإسرائيليّ في الوقت نفسه.
في هذه اللحظة تحديدًا، عاد ملفّ السلاح إلى طاولة البحث لا بوصفه شعارًا، بل بوصفه بندًا ضمن سلّة أوسع تتعلّق بترتيبات المنطقة. ثمّة من يتحدّث عن حصر السلاح بيد الدولة، وثمّة من يحذّر من الكلفة الداخليّة لأيّ اندفاعة غير محسوبة، وثمّة من يبحث عن نموذج انتقاليّ يسمح بنقل السلاح من موقع القرار المستقلّ إلى موقع الخضوع التدريجيّ للمؤسّسات.
غير أنّ طرحه هذه المرّة لا يقتصر على الشعارات السّياسيّة أو المواقف المبدئيّة، بل يتّخذ طابعًا أكثر عمليّةً، يتّصل بكيفيّة الانتقال من وضع قائم إلى صيغة أكثر انتظامًا تحت سقف الدولة. وفي هذا السياق تبرز فكرتان أساسيّتان في التداول السياسيّ: مقترح مصريّ يقوم على مفهوم "احتواء السلاح"، ومقترح بريطانيّ يستلهم تجربة الجيش الجمهوريّ الإيرلنديّ في الانتقال من العمل المسلّح إلى المسار السّياسيّ.
فيقوم المقترح المصريّ، في جوهره، على التعامل مع السلاح الموجود خارج إطار الدولة باعتباره واقعًا قائمًا يحتاج إلى مسار تدريجيّ، لا إلى معالجة فوريّة أو صداميّة. ومن هنا تبرز عبارة "احتواء السلاح"؛ أي السعي إلى ضبط هذا السلاح، وحصر استخدامه، وربطه بمسار سياسيّ وأمنيّ ينتهي، في التصوّر العام، إلى تعزيز سلطة الدولة ومؤسّساتها.
لا يعني الاحتواء، بهذا المعنى، التسليم الدائم بوجود السلاح خارج الدولة، كما لا يعني بالضرورة الدخول في مواجهة مباشرة معه. إنّه مقاربة وسطى تحاول الجمع بين الاعتراف بتعقيدات الواقع القائم، من جهة، والعمل على تغييره تدريجيًّا، من جهة أخرى. فبدل أن يكون السلاح قرارًا مستقلًّا أو عاملًا منفصلًا عن المؤسّسات الرسميّة، يصبح موضوعًا للتفاوض والتنظيم والضبط ضمن مسار زمنيّ وسياسيّ محدّد.
ضمن هذا الإطار، طُرحت أفكار تتعلّق بإمكان دمج تدريجيّ لعناصر من "
حزب الله " في المؤسّسة العسكريّة أو في ترتيبات أمنيّة رسميّة. غير أنّ مثل هذا الطرح يثير أسئلة عمليّة وسياسيّة معقّدة، منها طبيعة الدمج، وشروطه، وقدرة المؤسّسات الرسميّة على استيعابه، ومصير السلاح النوعيّ، والعلاقة بين أيّ ترتيب داخليّ والارتباطات الإقليميّة للحزب.
لذلك تبدو فكرة الاحتواء، بصيغتها الأوسع، أقلّ تركيزًا على خطوة واحدة حاسمة، وأكثر اهتمامًا ببناء مسار متدرّج. وقد تكون قوّتها في أنّها تتجنّب الصدام المباشر، لكنّ التحدّي الأساسيّ فيها هو ألّا تتحوّل إلى إدارة طويلة الأمد للوضع القائم من دون انتقال فعليّ نحو حصر قرار السلم والحرب بيد الدولة.
أمّا المقترح البريطانيّ فيستند إلى تجربة مختلفة، هي تجربة الجيش
الجمهوري الإيرلندي في إيرلندا الشماليّة. فقد شهد ذلك المسار انتقالًا تدريجيًّا من العنف السياسيّ والعمل المسلّح إلى المشاركة في الحياة السياسيّة والمؤسّسات. لم يحصل هذا الانتقال دفعة واحدة، بل جاء نتيجة مسار طويل شمل وقفًا لإطلاق النار، ومفاوضات سياسيّة، وضمانات متبادلة، وإصلاحات أمنيّة، ثمّ ترتيبات خاصّة بتفكيك السلاح.
شكّل "اتّفاق الجمعة العظيمة" عام 1998 نقطة تحوّل مركزيّة في هذا المسار. فقد أرسى إطارًا سياسيًّا جديدًا يقوم على تقاسم السلطة، والاعتراف المتبادل، والضمانات الدستوريّة، ودور كلّ من بريطانيا وإيرلندا في متابعة التنفيذ. بعد ذلك بقي ملفّ السلاح موضع تفاوض واختبار للثقة، إلى أن أُعلن عام 2005 اكتمال تفكيك ترسانة الجيش الجمهوري الإيرلندي بإشراف لجنة دوليّة مستقلّة.
تطرح المقاربة البريطانيّة إمكان الاستفادة من هذه التجربة في الحالة اللّبنانيّة، لا بمعنى نقلها حرفيًّا، بل بوصفها نموذجًا لمسار سياسيّ وأمنيّ يتيح تحويل قوّة مسلّحة إلى قوّة سياسيّة تعمل داخل المؤسّسات. وفق هذا المنطق، لا يبدأ الحلّ من السلاح وحده، بل من بناء بيئة سياسيّة تجعل اللجوء إلى السلاح أقلّ ضرورةً وأقلّ جدوى، وتمنح العمل السياسيّ ضمانات كافية للأطراف المعنيّة.
مع ذلك، تبقى الفوارق بين التجربتين كبيرة. فالجيش الجمهوري الإيرلندي كان يتحرّك ضمن نزاع ذي إطار محلّي واضح، مع امتدادات بريطانيّة وإيرلنديّة محدّدة، بينما يرتبط "حزب
الله " بسياق إقليميّ أوسع يشمل العلاقة مع إيران، والصراع مع
إسرائيل ، وتوازنات المنطقة. كما أنّ طبيعة الدولة اللّبنانيّة، وتركيبتها الطائفيّة، وضعف مؤسّساتها، تجعل أيّ استنساخ مباشر للتجربة الإيرلنديّة أمرًا صعبًا.
لكنّ الدرس الممكن من تلك التجربة يتمثّل في أنّ التحوّل من السلاح إلى السّياسة يحتاج إلى مسار تفاوضيّ طويل، وضمانات واضحة، ومؤسّسات قادرة على استيعاب التحوّل. كما يحتاج إلى اقتناع الأطراف بأنّ السياسة يمكن أن توفّر لهم أمنًا وتمثيلًا ومصالح لا تقلّ أهميّةً عمّا يوفّره السلاح.
وتلتقي المبادرة المصريّة والمقترح البريطانيّ عند هدف عام واحد، هو الانتقال تدريجيًّا نحو حصر السلاح وقرار استخدامه ضمن إطار الدولة. لكنّهما تختلفان في نقطة الانطلاق. المقترح المصريّ يبدأ من الحاجة إلى ضبط الواقع القائم واحتوائه أمنيًّا وسياسيًّا، فيما المقترح البريطانيّ يركّز على بناء مسار سياسيّ يجعل السلاح جزءًا من مرحلة انتقالية تنتهي إلى مشاركة كاملة في المؤسّسات.
بعبارة أخرى، تركّز القاهرة على إدارة السلاح وضبطه كخطوة أولى، بينما تركّز لندن على تحويل البيئة السّياسيّة الّتي تجعل السلاح قابلًا للتفكيك لاحقًا. الأولى أقرب إلى منطق الوقاية من الانفجار، والثانية أقرب إلى منطق الانتقال السّياسيّ المنظّم. وفي الحالتين، لا يبدو أنّ المطلوب هو معالجة تقنية فقط، بل تسوية سياسية شاملة تراعي موازين القوى الداخليّة والضمانات الإقليميّة والدوليّة.
بالنسبة إلى لبنان، قد لا يكون أيّ من النموذجين كافيًا بمفرده. فالاكتفاء بالاحتواء قد يجمّد المشكلة بدل حلّها، والاكتفاء باستلهام التجربة الإيرلنديّة قد يتجاهل خصوصيّة الحالة اللّبنانيّة وتعقيد ارتباطاتها الخارجيّة. لذلك قد يكون النقاش العمليّ هو في الجمع بين المقاربتين: ضبط تدريجيّ للسلاح، ومسار سياسيّ يوسّع سلطة الدولة ويقدّم ضمانات للأطراف المعنيّة.
يبقى السؤال المركزيّ هو كيف يمكن نقل ملفّ السلاح من موقع الانقسام الداخليّ إلى مسار تفاوضيّ واضح، لا يُشعر طرفًا بالهزيمة، ولا يُبقي الدولة في موقع العجز. فنجاح أيّ مبادرة، مصريّة كانت أو بريطانيّة، يتوقّف في النهاية على قدرة اللّبنانيّين، ومعهم القوى الإقليميّة والدوليّة المؤثّرة، على صياغة معادلة توازن بين متطلّبات السيادة ومقتضيات الاستقرار.
هكذا تبدو المبادرتان أقلّ من حلّ نهائيّ جاهز، وأكثر من إطارين مختلفين للتفكير في المشكلة نفسها. فالمقترح المصريّ يقدّم لغة الاحتواء والتدرّج، والمقترح البريطانيّ يقدّم تجربة الانتقال من السلاح إلى السياسة.