مقدمة "أن بي أن"
لا شيء يتصدر المشهد الإقليمي والدولي حالياً إلاّ ملف الإتفاق الأولي الذي ستوقعه الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية الجمعة المقبل في جنيف بصيغته الحضورية الرسمية بعد النسخة الإلكترونية.
وحتى ذلك الحين تتكثف التحضيرات ليس فقط في المدينة السويسرية بل ايضاً في طهران وواشنطن وعواصم عديدة. وستشكل هذه الخطوة الإجرائية الرسمية صافرة شروع في مفاوضات تستمر ستين يوماً قابلة للتمديد لحل المسائل العالقة.
وبانتظار تثبيت التفاهم الإيراني - الأميركي بدا المشهد الأكثر توتراً في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب وهو المشهد الذي عكسته وسائل الإعلام العبرية في حديثها عن تعمق الفجوة بين الجانبين متوقعة انزلاقاً على مسار التصادم بينهما. ولئن أقر بنيامين نتنياهو بوجود تباينات مع الرئيس الأميركي فإنه انجرف في الوقت نفسه نحو حديثٍ عن إنجازات وانتصارات وعن حرب مع إيران لم تنتهِ ردت عليه الصحف العبرية بسخرية: من "زئير الأسد" إلى مواء القطّ!!. ووفقاً للمصادر عينها فإن الخلافات القائمة بين ترامب ونتنياهو قد لا تبقى محصورة بالملف الإيراني بل قد تمتد إلى ملفات إقليمية أخرى في مقدمها لبنان الذي أُدرج ضمن التفاهمات الأوسع المرتبطة بإنهاء الحرب في المنطقة. فهل سيفرض الرئيس الأميركي على رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يجتمع معه الخميس في أوروبا الإنصياع لمضامين مذكرة التفاهم التي تشمل كل الجبهات بما فيها لبنان؟ وهل سيضع حداً لإنكاره إدراج لبنان في هذه الوثيقة؟ وهل سيجبره على الإقلاع عن موقفه المتمسك بالمنطقة المحتلة في الجنوب وبالتالي الإنسحاب الفوري منها؟
بانتظار تبلور إجابات على هذه التساؤلات أفرج ترامب اليوم عن رزمة جديدة من "المواقف اللبنانية- الإسرائيلية " إذ قال على هامش مشاركته في قمة السبع في (EVIAN) الفرنسية إنه ليس سعيداً بطريقة إسرائيل في لبنان مكرراً أن قصفها الضاحية الجنوبية قبل توقيع الإتفاق مع إيران لم يَرُقْ له. وإذ حذر من أن ما تفعله إسرائيل يؤثر على هذا الإتفاق أكد الرئيس الأميركي أن على نتنياهو التحلي بمسؤولية أكبر في ما يتعلق بلبنان. وبينما ينكر نتنياهو أن يكون لبنان مدرجاً ضمن مذكرة التفاهم الأميركية -الإيرانية يدحض مزاعمَه وزير الخارجية الإيراني بتأكيده أمام سفراء أجانب في طهران أن إنهاء الحرب بشكل دائم على جميع الجبهات بما فيها لبنان هو القضية الأهم في المذكرة.
الأمر نفسه شدد عليه رئيس مجلس النواب نبيه بري بقوله أمام زواره إن لبنان مذكور في مذكرة التفاهم أكثر من مرة سواء لجهة شموله بمظلة إنهاء الحرب أو لناحية وجوب الإنسحاب منه. ويعوّل الرئيس بري هذه المرة على كون ترامب شخصياً يأخذ الأمر على عاتقه ويقول: نحن أمام اتفاق كبير أوسع من لبنان.
وقد جرى اليوم اتصال بين رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشورى في الجمهورية الإسلامية أكدا خلاله وجوب أن تضطلع الولايات المتحدة والجهات الضامنة لمذكرة التفاهم بمسؤولية إلزام إسرائيل بإنهاء حربها واحترام سيادة لبنان والإنسحاب الفوري من الأراضي التي احتلتها.
من جهة أخرى حضرت المذكرة الأميركية - الإيرانية اليوم في لقاء الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام في قصر بعبدا حيث أكدا أن التفاهم الأميركي - الإيراني شكل عاملاً إيجابياً على صعيد خفض التوتر في المنطقة.
على أرض الميدان محاولات إسرائيلية لفرض واقع جديد عبر تنفيذ عمليات توغل- كما حصل في كفرتبنيت- حيث كان المقاومون بالمرصاد.
وإذا كانت العمليات العسكرية قد تراجعت فإن القصف المدفعي والمسيّر تواصل في أكثر من بلدة جنوبية. لكن هذه الإعتداءات لم تحل دون طلائع العودة العفوية للأهالي إلى منازلهم في الجنوب ما يعكس تمسكهم بأرضهم حتى الرمق الأخير.
************
مقدمة "أم تي في"
دونالد ترامب مسرور بما حققه. فهو لن يكتفي بنشر نص الاتفاق الاميركي- الايراني، بل سيعقد مؤتمراً صحافياً ليقرأه بحرفيته! في تل أبيب الجو معاكس. فواشنطن رفضت اطلاع تل ابيب مسبقاً على مذكرة التفاهم مع ايران، ما اثار امتعاضا اسرائيليا. وما عقّد الوضع اكثر ان الاتفاق ينص على وقف العمليات العسكرية ضد حزب الله في لبنان، وهو امر ترفضه اسرائيل. والظاهر ان ترامب لن يشدّد كثيرا على هذه الناحية. فالعمليات والغارات والاستهدافات الاسرائيلية استمرت في الجنوب وان بزخم اقل، فيما لفت قول ترامب انه يعتبر الحرب في لبنان مسألة ثانوية، وانه ليس راضيا عن طريقة تعامل اسرائيل مع حزب الله، مشيرا الى انه كان عليها ان تكون قادرة على انجاز المهمة بشكل اسرع. فهل يعني كلام ترامب انه لن يتدخل بقوة مع اسرائيل لحثها على عدم استكمال عملياتها العسكرية؟ ولعل الكلام الاخطر قول ترامب انه اقترح على اسرائيل ان يتولى احمد الشرع امر حزب الله المدعوم من طهران. بالتوازي، فان السلطة اللبنانية مستمرة في مسار التفاوض المباشر مع اسرائيل برعاية اميركية. لذلك فان الانظار تتجه الى واشنطن لمعرفة ماذا سيحصل عمليا هناك الاسبوع المقبل. سياسيا، نعيم قاسم لا يزال يدهش العالم باقواله الغريبة. اذ وجه اليوم رسالة الى محمد رضا قاليباف شكره فيها لانه الزم اسرائيل بوقف العمليات العسكرية. فاذا كان الهدف الاسمى للشيخ نعيم ان توقف اسرائيل عملياتها العسكرية، فلماذا اطلق حزبه حربي اسناد ضدها لم يعرف كيف يخرج منهما؟ وهل صار اقصى امنياته ان يشكر راعيه لانه اوقف النار بعدما خاض حزبه حربين لم يؤديا الا الى احتلال الارض ونزوح الناس وتهجيرهم وقتلهم؟
*********
مقدمة "المنار"
بما لا يحتاجُ إلى تفسيرٍ ولا يحتملُ أيَّ تأويلٍ، قالها وزيرُ الخارجيةِ الإيرانيُّ عباس عرقجي ليسمعها المرحِّبونَ والمغتاظونَ: إنَّ طرفَي مذكرةِ التفاهمِ هما أميركا والكيانُ الإسرائيليُّ من جهةٍ، وإيرانُ وحزبُ الله من جهةٍ أخرى، ونهايةُ الحربِ في لبنانَ هي جزءٌ لا يتجزأُ من إنهاءِ الحربِ في إيرانَ.
ولم يكتفِ الوزيرُ الإيرانيُّ الخازنُ للبنودِ الحقيقيةِ للاتفاقِ بهذا، بل أضافَ: من دونِ انسحابِ إسرائيلَ من لبنانَ فإنَّ الحربَ لم تنتهِ، وأيُّ هجومٍ صهيونيٍّ ضدَّ الأراضي اللبنانيةِ واستمرارُ الاحتلالِ يعدُّ انتهاكًا لمذكرةِ التفاهمِ.
إذًا، وقفُ الحربِ وانسحابٌ كاملٌ من لبنانَ، شرطانِ جعلتهما الجمهوريةُ الإسلاميةُ الإيرانيةُ حاكمَيْنِ للاتفاقِ، فأجابَ دونالد ترامب على طريقتِهِ مخاطبًا نتنياهو: عليكَ أن تكونَ أكثرَ مسؤوليةً فيما يتعلقُ بلبنانَ.
وترامب ليس معفيًّا من المسؤوليةِ كما أكدَ الرئيسُ نبيه بري ورئيسُ مجلسِ الشورى الإيرانيِّ محمد باقر قاليباف، اللذان شددا خلالَ اتصالٍ هاتفيٍّ على وجوبِ أن تضطلعَ الولاياتُ المتحدةُ الأميركيةُ والجهاتُ الضامنةُ لمذكرةِ التفاهمِ والمجتمعُ الدوليُّ بمسؤوليةِ إلزامِ إسرائيلَ إنهاءَ حربِها ووقفَ هدمِ القرى واحترامَ سيادةِ لبنانَ والانسحابَ الفوريَّ من الأراضي التي احتلتها.
وفيما يحتلُّ الجنونُ ساحةَ الصهاينةِ حكومةً وجيشًا ومستوطِنينَ، ومعهم كلُّ من راهنَ عليهم في بلدِنا ومنطقتِنا، فإنَّ منطقَ الهروبِ إلى الأمامِ ومواصلةِ الخروقاتِ، بل وارتكابِ المجازرِ كما حصلَ في ميفدونَ اليومَ، لن يمرَّ مرورَ الكرامِ، فردُّ المقاومينَ قطعيٌّ بما يتناسبُ مع جرمِ الاحتلالِ، ولا عودةَ إلى ما قبلَ الثاني من آذارَ كما أكدَ الأمينُ العامُّ لحزبِ الله سماحةُ الشيخ نعيم قاسم، ومن لم يُلزِمْهُ الاتفاقُ سيلزمْهُ الميدانُ.
وباسمِ وحدةِ الدمِ والهدفِ والميدانِ، كانت رسالةٌ مفعمةٌ بالشكرِ الكبيرِ من سماحةِ الشيخ قاسم إلى القيادةِ الإيرانيةِ وشعبِها، باسمِ حزبِ الله ومقاومتِهِ والمحبينَ من الشعبِ اللبنانيِّ، مُخاطباً فيها قاليباف، ومقدِّرًا المواقفَ الإيرانيةَ القويةَ والداعمةَ عبر إلزامِ العدوِّ بالوقفِ الفوريِّ والدائمِ لعدوانِهِ على لبنانَ.
فإيرانُ التي أعطتْ لبنانَ وأهلَهُ ومقاومتَهُ كلَّ شيءٍ لم تأخذْ منه شيئًا كما قالَ الشيخ قاسم، ولو مشى طريقَها آخرونَ لما تجبَّرتْ أميركا وإسرائيلُ، ولما بقيَ الاحتلالُ الصهيونيُّ جاثمًا على أرضِ فلسطينَ.
أما على أرضِنا فقد رأتِ السلطةُ في التفاهمِ الأميركيِّ الإيرانيِّ مؤشرًا إيجابيًّا لخفضِ حدَّةِ التوترِ الإقليميِّ، فيما لم تستطع اخفاء خيبتِها لتجاهل صديقِها الاميركي لها، ولم تجد من يحترمها سوى الايراني الذي طالما اساءت اليه ولا تزال، فاطلعها وزيرُ الخارجيةِ عباس عرقجي باتصالٍ هاتفيٍّ على مضمون الاتفاقِ..
لكنَّ الخطرَ الشديدَ يبقى محدقًا بهذا الاتفاقِ، ليس بسببِ تعنُّتِ الصهيونيِّ وخروقاتِهِ، إنما بسببِ رفضِهِ من قبلِ حزبَي الكتائبِ والقواتِ في لبنان.
***************
مقدمة "أو تي في"
لم يكن ينقص لبنان سوى ان تتدخل سوريا عسكرياً ضد حزب الله.
فالوطن الذي عانى الأمرَّين بفعل احتلال سوري بدأ عام 1976 بذريعة ضرب منظمة التحرير الفلسطينية، ولم ينتهِ الا عام 2005 بعد مقاومة عسكرية ونضال سياسي كلفا آلاف الشهداء والمصابين والمفقودين والمعتقلين، عاد اليوم ليعيش قلق انخراط سوري متجدد في شؤونه الداخلية، بناء على ما أدلى به الرئيس دونالد ترامب على هامش قمة مجموعة السبع، وعلى رغم نفي الرئيس السوري احمد الشرع اي نية للتحرك في هذا الاطار.
فكيف ستتعامل السلطة اللبنانية مع هذا الطرح المتجدد؟ هل ستتخذ موقفاً واضحاً يؤكد الحرص على حرية لبنان وسيادته واستقلاله، أم ستفضل النأي بالنفس عن شأن مصيري بهذا المستوى؟ هل ستعلن ان لبنان الذي احتلت أجزاء واسعة من اراضيه بفعل حربي اسناد غزة وايران الخاطئتين، لا يمكن ان يتحمل خطأ جديداً يتمثل بإقحام سوريا مجدداً في شؤون لبنان، أم ستعتمد في مقابل هذا الخطر سياسة النعامة او الهرب الى الامام؟ والاهم، ماذا عن موقف القوى السياسية التي تصنف نفسها سيادية، وتتهم غيرها بالتفريط بالسيادة، ازاء هذا الطرح القديم- الجديد؟ هل ستبقى في موقع المتفرج، ام ستعلن موقفاً واضحاً وصريحاً ومبدئياً دفاعاً عن لبنان؟
اسئلة ستبقى مطروحة في الساعات والايام المقبلة، التي ترسم فيها خارطة سياسية جديدة للشرق الاوسط، بناء على موازين القوى الجديدة التي سيرسيها الاتفاق الاميركي-الايراني الذي سيوقع الجمعة في سويسرا. فهل ينجو الوطن الصغير هذه المرة من صفقات الكبار؟ ام يدفع اللبنانيون مرة اخرى ثمن فشل سلطتهم السياسية في قيادة البلاد، واكتفائها بمجاراة الرياح الخارجية في هذا الاتجاه او ذاك؟
قرارات كثيرة ستتخذ في المنطقة خلال الستين يوماً المقبلة. لكن المطلوب في لبنان اليوم قرار واحد فقط لا غير، يرفض كل احتلال من اي جهة اتى، ويحصر كل سلاح في يد الجيش والقوى الامنية الشرعية، وتحت سلطة الدولة.
***************
مقدمة "أل بي سي"
الجمعة التاسع عشر من حزيران، سيجلس جيه.دي فانس، نائبُ ترامب، وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، وجهًا لوجه، في مراسم التوقيع في جنيف. ولكن على ماذا سيوقِّعان؟ على وثيقة؟ على اتفاق؟ أو على تفاهم؟ وبصرف النظرِ عن التسمية، ما هو مضمونُها؟ أين يقع لبنان منها؟ حتى الساعة، لا نصَّ منشورًا، وهذه سابقة في الإعلام الحديث حيث بإمكان أصحاب القرار أن يمنعوا التسريب، عندما يشاؤون، فعلى رغم مرور أكثر من ثمانٍ واربعين ساعة على الإعلان عن التوصل إلى اتفاق، فإن النص ما زال غيرَ معلَن ما يفتح بابَ الإجتهادات، فالمسؤولون الأميركيون يقولون إن التفاصيل ستُعلَن خلال يومين. يبقى السؤال: ماذا بعد التوقيع يوم الجمعة؟
المحادثات لن تكون نزهة، وزيرُ الخارجية الصيني أبلغ نظيرَه الباكستاني أن المرحلة المقبلة من المفاوضات "أكثرُ صعوبة". ماذا عن لبنان؟ كان لافتًا ما نقلته رويترز عن العلاقات الإعلامية في حزب الله أن الأنسحابَ الإسرائيلي سيكون نتيجة لاستمرار المفاوضات بين طهران وواشنطن وليس شرطًا مسبقًا. ما يعني أن هُدنة الستين يومًا، بالتزامن مع المفاوضات، قد لا تشهدُ انسحابًا إسرائيليًا.
قضية هامة طُرحت بقوة: ماذا عن الموقف الإسرائيلي من الأتفاق؟ في ما يشبه الإنتفاضة أو التمردَ الإسرائيلي على ترامب، صوت واحد في الدولة العبرية: ترامب خدعنا، فهل انتهى التعايشُ بالإكراه أو التعايش المصلحي بين ترامب ونتنياهو؟ وفي حال صحت هذه الفرضية، كيف ستتم ترجمتُها؟ ترامب ونتنياهو لديهما استحقاقان انتخابيان، فكيف سيؤثر خلافُهما على صناديق الإقتراع؟ ترامب رئيسٌ ظاهرة، ونتنياهو يخوض حربًا وجودية، فكيف سينتهي هذا الصراع؟
بالعودة إلى لبنان، يبدو واضحًا أن إيران تتقصَّد أن تكون اتصالاتها وعلاقاتُها بالرئيس بري، وفي ذلك رسالة ذات مغزى، فكيف ستتصرف السلطة اللبنانية حيال هذه الرسالة؟
المصدر:
لبنان ٢٤