آخر الأخبار

تجدّد الهَجمات على إيران... هذا ما يَتِمّ تحضيرُه!

شارك

يوم الأحد الماضي، وبعد ساعات قليلة من الإغارة على موقعٍ في قلب ضاحية بيروت الجنوبية، تعرّضت إسرائيل لقصف بالصواريخ الباليستية ال إيران ية، لتندلع بعد ذلك مواجهة صاروخية محدودة بين الفريقين. وليل الثلاثاء، وبحجّة إسقاط الجانب الإيراني طوّافة هجوميّة من طراز "أباتشي" فوق مضيق هرمز ، شنّ الجيش الأميركي موجة غارات على إيران، ردّت عليها هذه الأخيرة بقصف القواعد الأميركية في الإقليم. وليل الأربعاء، تكرّر "السيناريو" نفسه، بذريعة مماطلة الجانب الإيراني في المفاوضات، وليل الخميس تجدّدت المواجهة أيضًا. والتهديدات المتبادلة المُستمرّة، تؤكّد وجود نيّة بتكرار هذا المشهد الصدامي، علمًا أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يتردّد في إعلان ذلك جهارًا، كما حصل في اليومين الأخيرين! فما الذي يتمّ تحضيره من خلال تجدّد الهجمات بشكل يومي على إيران؟

في الشكل المُبسّط، ما حصل ويحصل هو عبارة عن مناوشات محصورة في المكان والزمان، ردّا على حوادث أمنية مُحدّدة، ولا أهميّة تُذكر له، إذ إنّ الاكتفاء بما جرى - حتى تاريخه - لا يُغيّر شيئًا في قواعد اللعبة، ولا في التوازنات القائمة. ورأى مُحلّلون غربيّون أنّ الأمر مُجرّد انتهاكات لوقف النار، تحصل عادة في ساحات القتال التي تكون فيها نسبة التوتّر مرتفعة.

في البُعد السياسي الأوسع نطاقًا، ما حصل ويحصل هو تجسيد أميركي واضح لعبارة "الجزرة والعصا"، حيث أنّ المفاوضات تسير جنبًا إلى جنب مع العمليات العسكرية ، سعيًا إلى تكثيف الضغوط على الجانب الإيراني، على أمل تسريع وتيرة التفاوض. فالجانب الإيراني نجح منذ بداية الصراع في إتقان المماطلة والمراوغة، جريًا على عادته منذ سنوات، رافضًا الانصياع للضغوط الأميركية بالنسبة إلى شروط الاتفاق المنشود. وتمكّن من التفلّت من الحملات العسكريّة المُتكرّرة عليه، عبر الإيحاء في كلّ مرّة بقرب موافقته على التسوية التي يُعمل عليها، بغرض وقف الهجمات، وذلك بالتوازي مع ممارسته الضغوط اللازمة من جانبه أيضًا، والتي تمثّلت في توسيع نطاق المواجهة الإقليمية، والتسبّب بأزمة غلاء عالمية في قطاع المُشتقّات النفطية، مع كل الانعكاسات السلبية على أسعار مختلف السلع. وبالتالي يرى هؤلاء المحلّلون أن الهجمات المُتجدّدة ترمي إلى تليين موقف طهران والدفع نحو اتفاق شامل من دون مزيد من التسويف.

لكن في البُعد الأمني الأكثر عُمقًا، ما حصل ويحصل هو تحضير الأرضية للخطة "باء" في حال استمرار فشل عملية التفاوض برعاية باكستان. وفي السياق، لم تستهدف الغارات مراكزَ عسكريّة أو منصّات إطلاق صواريخ باليستية، ولا أهدافاً مؤذية اقتصادياً. وبحسب المعلومات شملت الغارات التي نفّذتها أميركا وإسرائيل خلال الساعات والأيام القليلة الماضية، منظومات للدفاع الجوّي، ورادارات وأنظمة مراقبة وتتبع، وأجهزة اتصال، ومراكز قيادة، ومنصّات توجيه للمُسيّرات، علمًا أنّ عددًا كبيرًا من المواقع المُستهدفة يقع في مناطق ساحلية تُطلّ على مضيق هرمز. وهذا النوع من الأهداف، بحسب خبراء عسكريّين، يرمي إلى تمهيد الطريق أمام ثلاثة مُستهدفات أساسيّة:

أوّلًا: العمل على إعادة فتح الأجواء الإيرانية كليًا أمام موجات مُقبلة من الضربات والغارات، بحيث تُصبح الأهداف المُختارة من قبل المُهاجمين في المُستقبل عرضة للتدمير الحتمي من دون أي مقاومة أرضيّة أو محاولة اعتراض تُذكر. وبالتالي في حال فشل المفاوضات كليًا، ستكون أجواء إيران جاهزة للتحرّكات الجويّة بكل حريّة، بعد تدمير ما أعادت إيران تأهيله من دفاعات جويّة محدودة أصلًا.

ثانيًا: إضعاف قُدرة الإيرانيّين على رصد السفن التي تعبر في مضيق هرمز، وعلى تتبع مساراتها، ومن ثمّ على استهدافها، وهي معركة مفتوحة موازية لعمليّة التفاوض، حيث شكّل المضيق ورقة مهمة تستعملها طهران لتعزيز موقعها التفاوضي. وبالتالي، كلّما تراجعت إمكانات إيران في ضرب السفن، كلّما صارت ورقة الضغط المذكورة قليلة الفائدة، علمًا أنّ الجانب الإيراني ما زال يملك حتى تاريخه القُدرات اللازمة لعرقلة الملاحة البحرية في مقابل سواحله، ولتهديد البحرية الأميركية التي تجهد لتأمين مسارات بحرية آمنة.

ثالثًا: السعي لتقليص قُدرة القيادة الإيرانية على التنسيق خلال المعارك، بحيث تتراجع عمليات الاتصال والتواصل المهمة على الصعيد اللوجستي، وتُصبح مسألة تعميم القرارات المركزيّة على الأجهزة الأخرى أكثر صعوبة في حال التخلّص تمامًا من مقرّات القيادة وأنظمة الاتصال. وبالتالي، صحيح أنّ هذا الهدف لم يتحقّق بعد، لكنّ العمل في هذا الاتجاه يُخفي نيّات مُبيّتة لتمهيد الطريق أمام إخراج مناطق جغرافية واسعة عن السيطرة العملانية للقيادة المركزية في إيران، ربّما تمهيدًا لإنزالات برّية في بقع جغرافية إستراتيجيّة مُحدّدة، قد تكون جزيرة خارك البالغة الأهميّة، وغيرها من مواقع استخراج النفط الإيراني، في طليعتها.

في الختام، من المتوقّع أن يستمرّ الاحتقان الأمني في أعلى درجاته في المدى القريب، ما يعني أنّ العمليّات العسكرية المتقطّعة ستتواصل بدورها، وفق وتيرة قد تتباطأ أو تتسارع بحسب تطوّر عمليّة التفاوض. لكنّ الأكيد أنّ استمرار فشل تحقيق الخرق المَنشود على مستوى المفاوضات، سيقود بشكل حتمي – عاجلًا أم آجلًا، إلى اندلاع الحرب على مصراعيها لقلب المعادلات القائمة. وفي الانتظار ستبقى العمليات العسكرية المضبوطة نسبيًا قائمة، إذ يمكن لهذه المواجهات أن تتحوّل في أي لحظة إلى حرب مفتوحة على كل الاحتمالات.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا