علم "لبنان24" أن سينودوس الأساقفة الموارنة المنعقد في بكركي برئاسة البطريرك مار بشاره بطرس الراعي يناقش اليوم في خلوته السنوية الوضعين السياسي والأمني في البلاد في ضوء التطورات العسكرية والضاغطة.
وفي المعلومات المستقاة من مصادر ثقة أن السينودوس يتجه إلى تكليف لجنة من المطارنة للقيام بزيارة عاجلة إلى القرى المسيحية الحدودية للوقوف إلى جانب الأهالي وتقديم المساعدات المعنوية والمادية بهدف دعم صمودهم ومقاومتهم من خلال بقائهم في أرضهم على رغم ما يتعرضون له من ضغوطات وتهديدات.
وفي رأي أحد الأساقفة المشاركين في السينودوس، وهو صاحب هذه الفكرة، أن من شأن هذه المبادرة الإنسانية والأخوية أن تكون مقدمة لحلول مستدامة من خلال ما تقوم به الدولة عبر أجهزتها الديبلوماسية والعسكرية لتأمين انسحاب كامل للجيش
الإسرائيلي ، على أن تكون القرى المسيحية الحدودية النموذج الصالح لتطبيق عملي لـ "المنطقة التجريبية"، التي لا بد من أن تتوسع لتشمل تدريجيًا كامل القطاع جنوب نهر الليطاني.
وتكتسب هذه المبادرة بعدًا يتجاوز إطارها الإنساني والاجتماعي المباشر، إذ إنها تأتي في لحظة مفصلية يمر بها الجنوب اللبناني، حيث تتقاطع المساعي الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار مع الحاجة الملحّة إلى إعادة الحياة الطبيعية إلى القرى الحدودية التي دفعت أثمانًا باهظة نتيجة الحروب المتعاقبة.
ويرى متابعون أن الطرح الذي يناقشه السينودوس الماروني ينسجم إلى حد بعيد مع المبادرة التي كان قد أطلقها السفير البابوي في
لبنان المونسنيور باولو بورجيا خلال لقاءاته مع المسؤولين الروحيين والسياسيين، والتي ركّزت على ضرورة حماية الوجود الإنساني في القرى الحدودية وعدم السماح بتحولها إلى مناطق مهجورة أو فارغة من سكانها الأصليين، لما لذلك من تداعيات وطنية وديموغرافية وإنمائية خطيرة.
وتشير الأوساط نفسها إلى أن الكرسي الرسولي ينظر بقلق بالغ إلى ما آلت إليه أوضاع البلدات الجنوبية، خصوصًا تلك التي تضم مكونات
مسيحية تاريخية لعبت دورًا أساسيًا في الحفاظ على التنوع اللبناني وصيغة العيش المشترك. ومن هذا المنطلق، فإن أي خطوة تهدف إلى تشجيع الأهالي على البقاء في أرضهم وتأمين مقومات الصمود لهم تحظى باهتمام خاص من الفاتيكان الذي لطالما اعتبر أن حماية الإنسان هي المدخل الأساسي لحماية الأرض والهوية.
وفي هذا السياق، تندرج المبادرة المرتقبة للسينودوس ضمن الرؤية التي عبّر عنها قداسة البابا لاوون الرابع عشر في أكثر من مناسبة، حين شدد على أن لبنان ليس مجرد دولة، بل رسالة حرية وتعددية وحوار في
الشرق الأوسط ، داعيًا المجتمع الدولي إلى عدم تركه وحيدًا في مواجهة أزماته المتراكمة. كما أن الفاتيكان، الذي واكب عن كثب مختلف
المحطات
اللبنانية الصعبة خلال السنوات الماضية، لا يزال يعتبر أن استعادة الدولة لدورها الكامل وبسط سلطتها على كامل أراضيها يشكلان المدخل الطبيعي لأي عملية نهوض واستقرار دائم.
وتؤكد مصادر كنسية أن التحرك الذي يُبحث داخل السينودوس لا يستهدف أي فئة أو منطقة بعينها، بل يندرج في إطار دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وتوفير شبكة أمان اجتماعية وإنسانية للأهالي الذين يتمسكون بأرضهم على رغم الظروف القاسية. وهو ما يجعل من القرى المسيحية الحدودية نقطة انطلاق لمشروع إنقاذي أوسع يمكن أن يشمل لاحقًا مختلف القرى والبلدات الجنوبية المتضررة، بصرف النظر عن انتماءاتها الطائفية أو السياسية.
وفي حال كُتب لهذه المبادرة أن تبصر النور، فإنها قد تشكل أول ترجمة عملية للتلاقي بين الإرادة الكنسية والجهود الديبلوماسية الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار جنوبًا، بما يفتح الباب أمام تطبيق تدريجي لفكرة "المنطقة التجريبية" تحت سقف الدولة اللبنانية، وبما يعيد الأمل بإمكانية تحويل الجنوب من ساحة مواجهة مفتوحة إلى نموذج للتعافي وإعادة الإعمار والعودة الآمنة والكريمة للسكان.