يدخل لبنان صيفه الثالث على التوالي مثقلاً بتداعيات حربٍ لم تهدأ، وفي ظل اتفاقٍ هش لوقف إطلاق النار، يزداد فيه تشابك الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ عام 2019 مع واقعٍ أمني مفتوح على الاحتمالات كافة.
لقد فرضت الحرب المستمرة تحوّلاً جذرياً في ملامح القطاعات الحيوية، ولا سيما قطاع السياحة الذي شكّل لعقود ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني. وقد انعكس هذا الواقع تراجعاً حاداً في الحركة السياحية تجاوز 75% مقارنة بالمواسم السابقة، ما أدى إلى انكماش واضح في النشاط الاقتصادي المرتبط بهذا القطاع.
وتظهر تداعيات هذا الانكماش في تراجع نسب الإشغال بشكل كبير في الفنادق والمنتجعات، خصوصاً في مناطق التي تشهد اعتداءات إسرائيلية كجنوب لبنان والبقاع ومحيط
بيروت .
كما أُغلق أو علّق العديد من المطاعم، والملاهي الليلية، والمنتجعات السياحية نشاطها، ما كبّد القطاع خسائر مباشرة وغير مباشرة تُقدَّر بمليارات الدولارات، ودفعه إلى حالة شبه شلل.
ورغم قسوة هذه المعطيات، يشير الواقع إلى محاولات متواصلة من المؤسسات السياحية للتكيّف والصمود، عبر البحث عن صيغ تشغيلية جديدة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية.
تحديات قطاع المطاعم
ويؤكد
نائب رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان، خالد نزهة، عبر "
لبنان 24 " أن القطاع السياحي دخل فعلياً مرحلة "الموت السريري"، إذ يعيش القطاع واحدة من أسوأ مراحله على الإطلاق من جراء استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية المباشرة.
ويوضح نزهة أن الحركة في المطاعم والمقاهي وأماكن السهر شهدت تراجعاً حاداً تراوح بين 80 و85%، ما أجبر عدداً من المؤسسات على الإقفال القسري، وأثر سلباً على قدرة العلامات التجارية
اللبنانية على الصمود والتوسع. وجاء هذا التدهور بعد ضياع ثلاثة مواسم أعياد متتالية، تلاها جمود تام في بداية موسم الصيف الحالي، حيث غابت حركة الوافدين والسياح العرب بالكامل، ليتلقى المحرك الأساسي للاقتصاد اللبناني ضربة قوية.
وبحسب نزهة، فإن الأزمة الراهنة هزت ثلاث ركائز أساسية للاقتصاد: السياحة، والتصدير، وحركة النقل والترانزيت، بالتزامن مع تراجع التحويلات المالية من الخارج نتيجة الوضع الراهن في الخليج.
وفي ظل هذه الضغوط، يفتك الارتفاع الجنوني للكلفة التشغيلية الناتجة عن تضخم الأسعار الكبير ولا سيما أسعار الكهرباء والمياه والنفقات الأساسية، بقدرة ما تبقى من مؤسسات. ويلفت نزهة إلى أن الهمّ الأساسي هو صمود القطاع ومحاولة الحفاظ على الموظفين واليد العاملة، وهي مهمة باتت شبه مستحيلة خصوصاً وأن القطاع استُنزف تماماً منذ الانهيار الاقتصادي في عام 2019، وتوقف القروض والتسهيلات المصرفية، واحتجاز أموال المودعين في المصارف، مما حرم المؤسسات من أي شبكات أمان مالي.
ويقول إن ما زاد الطين بلة، هو إلغاء المهرجانات الدولية الكبرى كبعلبك وبيت الدين والأرز، وهو ما حرم المطاعم والفنادق وبيوت الضيافة من مداخيل حيوية.
ويرى نزهة، أنه في ظل استمرار الحرب، يبقى من الصعب تحديد الحجم النهائي للخسائر، ويؤكد أن المشهد الحالي يتلخص في إنفاق تشغيلي ضخم يفوق بكثير حجم الإيرادات.
المونديال...رهان حذر لإنعاش مطاعم لبنان
ومع انطلاق منافسات كأس العالم، تتجه الأنظار نحو قطاع المطاعم والمقاهي لمعرفة ما إذا كان هذا الموسم الرياضي سيُشكل طوق نجاة موقت للقطاع السياحي، ولاسيما ان هذا الحدث العالمي، يبدأ هذا العام وسط ترقب شديد وتحديات تفرضها الأكلاف والواقع النفسي والميداني المعقد. ويصف نزهة المونديال بأنه "أحد المتنفسات القليلة المتبقية للعائلات والشباب"، بانتظار ما ستؤول إليه الحركة الفعلية في الأيام المقبلة.
ويرى نزهة ان المؤسسات السياحية تواجه رسوماً مرتفعة جداً مرتبطة بحقوق بث المباريات، ما يجبرها على فرض حد أدنى من الإنفاق (Minimum Charge) لتغطية مصاريف التشغيل الطاقوية والخدماتية التي تعد الأعلى في المنطقة. ويوضح نزهة أن هذه الأكلاف تتزامن مع تراجع حاد في القدرة الشرائية للمواطنين، حيث تكتفي غالبية الزبائن بطلبات بسيطة جداً للحد من الإنفاق، ناهيك عن تراجع الحالة النفسية العامة للمواطنين بفعل استمرار الحرب وأوضاع النزوح، وهو ما يفرمل رغبتهم في الخروج والترفيه.
ويقول نزهة: "في غياب أي خطة حكومية لنقل المباريات عبر شاشة "تلفزيون لبنان" لتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين، يعيش قطاع المطاعم والمقاهي معركة استنزاف يومية؛ حيث لا ينصبّ همّ أصحاب المؤسسات اليوم على تحقيق الأرباح، بل على "تأمين رواتب الموظفين وإبقاء الأبواب مفتوحة"، لاعتبارٍ جوهري تلخصه النقابة بأن "إقفال أي مؤسسة حالياً يجعل من إعادة تشغيلها أمراً شبه مستحيل".
تراجع في حجوزات الأعراس
ولم يسلم قطاع الأعراس من الركود، إذ شهد بدوره تراجعاً ملحوظاً نتيجة الأوضاع الأمنية، مع إلغاء أو تأجيل العديد من المناسبات، واتجاه عدد كبير من المقبلين على الزواج إلى تنظيم حفلات أصغر وبكلفة أقل. وتشير شركات تنظيم المناسبات إلى انخفاض الحجوزات بحوالى 50% مقارنة بالسنوات السابقة.
ويشير مصدر اقتصادي عبر "
لبنان24" إلى أن أي تحسن محتمل في القطاع السياحي يبقى مرتبطاً بوقف التصعيد العسكري واستمرار عمل مطار بيروت بصورة طبيعية. ويضيف أن لبنان يراهن حالياً على المغتربين أكثر من السياح الأجانب، إذ تأتي غالبية الوافدين لأسباب عائلية واجتماعية وليس بدافع السياحة التقليدية.
ويؤكد المصدر أن هذه الحركة، رغم محدوديتها، تضخ عملات أجنبية في السوق وتدعم قطاع الخدمات، لكنها لا تشكل بديلاً عن السياحة الخارجية القادرة على تحقيق نمو اقتصادي أوسع وأكثر استدامة.