على وقع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان ، لا يمكن تجاهل العديد من المعطيات المتداخلة على المستوى الدبلوماسي بالدرجة الأولى، حيث بات من الواضح أن هناك ترابطاً بين أكثر من مسار فاعل في الوقت الراهن، خصوصاً بعد النتائج التي أفرزتها جولة الضربات، التي بقيت محدودة نسبياً، بين طهران وتل أبيب، نتيجة الاستهداف الذي طال الضاحية الجنوبية لبيروت.
من حيث المبدأ، فتح الاعتداء على الضاحية الباب أمام السعي إلى فرض معادلة جديدة من الجانب ال إيران ي، تقوم على قاعدة أن تكرار ذلك يستدعي تدخلاً عسكرياً مباشراً من قبلها، الأمر الذي لا تزال إسرائيل ترفض الانصياع له، على الرغم من الموقف الأميركي الملتبس في هذا الشأن، إلا أن الأهم يبقى التداعيات التي يتركها هذا الواقع على المستوى الدبلوماسي.
في قراءة مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، ما حصل كان رسالة إيرانية بأنه لا يمكن تجاوزها في الساحة اللبنانية، لا سيما أنها تملك القدرة الأكبر على التأثير في موقف " حزب الله "، في ظل الضغوط التي تتعرض لها السلطة الرسمية في بيروت في المسار المباشر مع تل أبيب برعاية واشنطن، وهو ما يتناغم مع الموقف السياسي الرافض، لما صدر عن الجولة الماضية من المفاوضات، من قبل أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم ورئيس المجلس النيابي نبيه بري .
بالنسبة إلى هذه المصادر، الولايات المتحدة نفسها تدرك هذا الواقع، على الرغم من سعيها إلى تجاوزه، ولذلك تحافظ على قنوات اتصال متعددة، من أجل التوصل إلى اتفاق على الجبهة اللبنانية، خصوصاً أن ذلك من البنود الأساسية التي تتمسك بها إيران في أي اتفاق محتمل بين الجانبين، وتستشهد بالحديث المتكرر للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تواصل قائم مع الحزب، من دون تجاهل ما يحصل من تفاوض مع رئيس المجلس النيابي.
من وجهة نظر العديد من الأوساط المحلية، هذا الواقع يفتح الباب أمام الحديث عن أكثر من مسار دبلوماسي في الملف اللبناني، على الرغم من العقبات التي لا تزال حاضرة، الأمر الذي يعود إلى تداخل العديد من اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين لديهم مصالحهم في هذه الساحة، في لحظة تبدو المنطقة تشهد إعادة رسم لتوازنات القوة فيها.
في هذا الإطار، تلفت المصادر السياسية المتابعة إلى أن الحديث، من الناحية العملية، لم يعد عن مسارات متباعدة، بل هي مترابطة على أكثر من صعيد، مع العلم أنه من الممكن الإشارة إلى أن من الطبيعي أن تسعى كل جهة داخل هذه المسارات إلى تحسين شروطها على حساب الأخرى، لكن الأكيد أن الحصيلة ستكون مترابطة في نهاية المطاف.
وتوضح هذه المصادر أنه بالإضافة إلى مساري واشنطن وإسلام آباد، لا يمكن تجاهُل مسار آخر قائم في العاصمة القطرية الدوحة ، لا سيما أن البحث لم يعد يقتصر على الواقع العسكري، بل يشمل ترتيبات سياسية لمرحلة ما بعد الحرب، في ظل الطروحات القائلة بأن أي تسوية ينبغي أن تشمل الدور الشيعي في الدولة، بالإضافة إلى القضايا المتعلقة بإعادة الإعمار وعودة النازحين إلى قراهم.
في المحصلة، تشدد المصادر نفسها على أن هذا المسار لا يتوقف على الجانب القطري، بل هو منسق مع العديد من الجهات الدولية، أبرزها الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أخرى إقليمية، من بينها المملكة العربية السعودية ، التي لديها رؤية تؤكد حتمية الحفاظ على اتفاق الطائف، بل السعي إلى تطبيقه بجدية في المرحلة المقبلة، وتضيف: "كل هذه المسارات تبحث، من الناحية المبدئية، عن حل طويل الأمد على هذه الجبهة".
المصدر:
النشرة