آخر الأخبار

صور تحت الإنذار.. هل تضرب إسرائيل آخر مساحات الأمان في الجنوب؟

شارك
لم تكن صور في يوم من الأيام خارج الجبهة بمعنى الكلمة، حتى لو طالها القصف أكثر من مرة. لكنها كانت، على مدار أشهر الحرب الطويلة، شيئًا أقرب إلى الهامش الآمن، بوصفها مدينة ساحلية تحتضن نازحين، فيما تستمرّ الحياة في مقاهيها ومطاعمها القديمة، وحارةً مسيحية ظلّت، في حروب سابقة، خارج دائرة الإنذارات الإسرائيلية . كلّ ذلك تبدّل بقرار إسرائيلي يوم الثلاثاء.

فقد تقدّمت صور إلى واجهة المشهد الجنوبي من جديد، هذه المرّة بوصفها عنوانًا لتحوّل أوسع في طريقة إدارة إسرائيل للضغط على لبنان . فالضربة التي استهدفت المدينة وأوقعت عددًا كبيرًا من الضحايا بين شهداء وجرحى، ثم الإنذار الذي شمل صور وضواحيها والحي المسيحي فيها، بدت كأنها تنقل الحرب من أطراف الجنوب إلى قلب إحدى أكثر مدنه رمزية وحساسية، وكأنّ إسرائيل أرادت أن تقول إنّها تكثّف النار وتوسّعها في مرحلة التهدئة، لا العكس.

غير أنّ خطورة إنذار صور أبعد من ذلك. هي تكمن في حقيقة أنه لا يطال نقطة عسكرية أو محيطًا حدوديًا ضيقًا، إنما يطال مدينة كاملة، كانت بالنسبة إلى كثيرين مساحة لالتقاط النفس، ووجهة للنازحين، ومركزًا صحيًا وخدماتيًا واجتماعيًا لأهل الجنوب. لذلك، فإن السؤال لم يعد محصورًا بما إذا كانت إسرائيل ستضرب هدفًا هنا أو هناك، إنما بما إذا كانت تحاول إسقاط فكرة "المكان الآمن" من الحسابات اللبنانية كلها.

مدينة لا جبهة

ما يجعل ما جرى في صور مختلفًا عن غيره من الضربات أن المدينة لم تكن، في المخيلة اللبنانية، موقعًا عسكريًا بالدرجة الأولى. فصور ليست قرية تماس، ولا نقطة معزولة على خط نار. هي واحدة من أقدم المدن في حوض البحر الأبيض المتوسط، ومدرجة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1984، وتضم في قلبها آثارًا رومانية وفينيقية لا تُعوَّض، من بينها الهيبودروم، أي ميدان سباق الخيل، الذي سبق أن استهدفت الغارات الإسرائيلية محيطه.
لكن الأهم، إنسانيًا، أن صور كانت ملجأً. فالحارة المسيحية التي أفرغها الإنذار من سكانها كانت تستقبل، طوال أسابيع، نازحين من مناطق أخرى أمضى بعضهم لياليه في السيارات وعلى الأرصفة. وتحيط بالمدينة ثلاثة مخيمات فلسطينية، هي الرشيدية والبص والبرج الشمالي ، ما يجعل أي إنذار واسع للمدينة مصدر قلق إضافي لعشرات آلاف اللاجئين في محيطها.

عمليًا، الخطر الفعلي في ما يجري لا يكمن في الضربة وحدها، إنما في المعادلة التي تُشكّلها. فالجيش الإسرائيلي يبرر إنذاره بوجود عناصر من " حزب الله " داخل الحي المسيحي، وهي ذريعة تعني في جوهرها أن لا بقعة محمية في صور ما دام الحزب حاضرًا في المدينة، وأن الإخلاء ليس تحذيرًا إنسانيًا فقط، إنما رسالة سياسية: أخرجوا الحزب من المدينة أو أخرجوا أنفسكم منها.
وبهذا المعنى، تبدو الرسالة خلف هذا الأمر مزدوجة: الأولى إلى السكان بأن الاستثناءات القديمة لم تعد قائمة، والثانية إلى الدولة بأن قدرتها على حماية التنوع المدني والتراثي والاجتماعي في الجنوب موضوعة أمام امتحان قاسٍ، في لحظة تعجز فيها المؤسسات عن مواكبة حجم النزوح والضغط.

ما وراء الضربة

تدرك إسرائيل أن صور ليست تفصيلًا عسكريًا. لذلك، فإن الضغط عليها يحمل وظيفة سياسية واضحة. فكلما اقترب البحث من شروط وقف النار، ومن دور الجيش، ومن جنوب الليطاني، ترتفع وتيرة الضربات والإنذارات، كأن المطلوب دفع لبنان إلى القبول بشروط ميدانية لا تُصاغ فقط في واشنطن ، إنما تُفرض أيضًا بالنار والتهجير والخوف.

في المقابل، تواجه الدولة اللبنانية اختبارًا معقدًا يتجاوز البعد الأمني إلى البعد الاجتماعي والسياسي. فمع كل موجة نزوح جديدة، تتزايد الضغوط على المؤسسات الرسمية لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار والخدمات، فيما تتراجع قدرة الناس على تحمّل كلفة الانتظار والترقب. وفي ظل هذا الواقع، تبدو أي مساعٍ للتهدئة مرتبطة بمدى قدرتها على توفير حماية فعلية للسكان، لا الاكتفاء بالوعود السياسية.

الرسالة الأخطر من صور هي أن إسرائيل تريد تحويل كل منطقة لبنانية إلى رهينة لاحتمال عسكري مفتوح. فإذا كان الحي السكني، والمرفق الصحي، والمدينة التاريخية، ومكان النزوح، كلها قابلة للدخول في دائرة الإنذار، فهذا يعني أن الضغط لم يعد يهدف فقط إلى تعطيل قدرة "حزب الله"، إنما إلى توسيع دائرة الضغط الشعبي، وتحميل البيئة الجنوبية كلها، بكل طوائفها ونازحيها ولاجئيها، ثمن بقاء الحزب في المدينة وما حولها.

حين يصبح وقف النار خريطة نزوح

ثمة مفارقة قاسية في ما يجري: جاء اتفاق واشنطن منذ أيام ليُعلن وقف إطلاق النار، ومعه حديث عن "مناطق تجريبية" وإعادة إعمار وعودة النازحين إلى بيوتهم. غير أن ما تُنتجه الضربات والإنذارات على الأرض هو العكس تمامًا: موجات نزوح جديدة، وخرائط تهجير أوسع، وبلد يتقلص فيه ما تبقى من مساحات الأمان.
لم يعد الخط الأصفر في مجدل زون هو الحد الفاصل، ولا نهر الليطاني هو الخط الإسرائيلي المعلن. فالإنذار الموجَّه إلى ما وراء الزهراني يقول، بوضوح، إن إسرائيل تُعيد تعريف المنطقة الآمنة في كل مرة، وبمعادلة يصعب على بيروت أن تُفاوض عليها: لا ضمانات لمدينة تاريخية، ولا استثناء لحارة مسيحية، ولا حماية لمحيط مخيم فلسطيني، ما لم تنتهِ المسألة كلها.

من هنا، تبدو صور اليوم أكثر من مدينة تحت الإنذار. إنها اختبار لما إذا كان لبنان قادرًا على صون ما تبقّى من حضوره المدني في جنوبه، أم سيكتفي بمراقبة خريطة النزوح وهي تتسع، مدينة بعد أخرى.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا