لا تزال قضية إجراء الامتحانات الرسمية في لبنان تتفاعل يوماً بعد يوم، في ظل الانقسام الحاد القائم بين لجنة التربية النيابية ووزارة التربية، وسط تصاعد المخاوف الأمنية والاعتراضات التربوية على إصرار الوزارة على إجراء الامتحانات حضورياً، رغم الحرب المستمرة جنوباً، والتوتر الأمني الذي يخيّم على البلاد، وحالة النزوح التي لا تزال تضغط على آلاف العائلات اللبنانية.
وفي وقت يعيش فيه اللبنانيون على وقع القلق اليومي من توسّع المواجهة العسكرية، تتمسّك وزيرة التربية بخيار إجراء الامتحانات وكأن البلاد تعيش ظروفاً طبيعية، متجاهلة، بحسب معترضين، التحذيرات الأمنية والواقع النفسي والمعيشي الذي يعيشه الطلاب والأساتذة على حد سواء.
خلاف يتصاعد داخل الدولة
غير أن الاعتراضات لا تتوقف عند البعد الأمني فقط، بل تتعداه إلى ما يعتبره عدد من النواب والتربويين "تجاوزاً إدارياً وقانونياً" داخل وزارة التربية نفسها. واللافت كان الاجتماع الذي عقدته لجنة التربية النيابية أمس، بدعوة مشتركة مع وزارتي الدفاع والداخلية، لمناقشة ملف الامتحانات الرسمية والخطة الأمنية المرتبطة بها.
وبحسب المعلومات، حضر الاجتماع وزير الدفاع وعميدان من وزارة الداخلية، أحدهما عضو في لجنة "الميكانيزم" المكلفة التنسيق بشأن الامتحانات الرسمية، فيما غابت وزارة التربية، وهي الجهة الأساسية المعنية بالملف، بسبب سفر الوزيرة، التي أصرت على أن يمثلها مستشاروها، في وقت تم فيه إقصاء المدير العام لوزارة التربية فادي يرق ، المعني مباشرة بمتابعة ملف الامتحانات الرسمية، عن المشاركة في الملف، من دون توضيحات رسمية حول أسباب ذلك.
تحذيرات أمنية
وفي هذا السياق، كشف عضو لجنة التربية النيابية النائب إدغار طرابلسي لـ"النشرة" أن الأجواء داخل الاجتماع كانت "قاسية ومقلقة"، مشيراً إلى أن ممثلي الأجهزة الأمنية أبلغوا المجتمعين بشكل واضح أن وزارة التربية "لم تنسّق معهم ملف الامتحانات الرسمية هذا العام"، مضيفاً أن الأمنيين أكدوا أنهم "لا يستطيعون ضمان أمن أي مواطن أو تلميذ في أي بقعة من لبنان”، وأنهم استخدموا خلال الاجتماع عبارة شديدة الدلالة: “الأمن لا يجزّأ".
ويشير طرابلسي إلى أن "كل الكلام عن التعليم وصيت الشهادة الرسمية يصبح ثانوياً عندما تكون حياة الطلاب في خطر"، متسائلاً: "لماذا تصر وزيرة التربية على تهميش موقع المدير العام، وهو موقع سيادي وأساسي في الوزارة، فيما يتم تسليم الملف إلى مستشارين عينتهم هي شخصياً، رغم أن المدير العام هو المسؤول القانوني المباشر عن الامتحانات الرسمية؟".
وعلى الأرض، تبدو الصورة أكثر قسوة، خصوصاً في المناطق الجنوبية التي تعيش يومياً تحت وقع الغارات والتهديدات. وفي هذا الإطار، تؤكد معلمة من قضاء مرجعيون (ج.أ)، فضّلت عدم الكشف عن اسمها الكامل، أن "الوضع أصبح بالغ الصعوبة، والمدارس تحوّلت عملياً إلى مراكز إيواء"، معتبرة أن "إجراء الامتحانات حضورياً بالنسبة لأهالي الجنوب أمر شبه مستحيل".
وتضيف: "لم يعد هناك نوع من الأسلحة أو الطائرات إلا وسمعنا أصواته فوق رؤوسنا"، متسائلة: "في ظل هذا الجو، كيف يمكن لتلميذ أن يجلس ويركّز على دراسته أو أن يحضّر نفسه نفسياً للامتحانات؟"، مؤكدة أن "الأجواء في الجنوب غير سامحة إطلاقاً بإجراء الامتحانات الرسمية".
الأقساط على خط الأزمة
وفي موازاة هذا الجدل، بدأت تبرز مخاوف إضافية مرتبطة ب الأعباء المالية على الأهالي ، بعد تداول معلومات عن إصرار بعض المدارس الخاصة، وخصوصاً الكاثوليكية منها، على تحصيل كامل الأقساط حتى في المناطق المتضررة من الحرب.
وفي هذا السياق، يؤكد الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر لـ"النشرة" أن " المدارس الكاثوليكية تقف إلى جانب الناس، وخصوصاً في المناطق الجنوبية"، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن "لدى المدارس أيضاً التزامات ومسؤوليات، وهناك عائلات وأساتذة يجب تأمين رواتبهم وحقوقهم، لكن ليس على حساب الأهالي".
ويضيف نصر: "نحن نحاول قدر الإمكان أن نساعد ونؤمن الدعم والمساعدات، ومن الواضح أن المدارس تقف إلى جانب أهلها في هذه المرحلة الصعبة".
وفي وقت يزداد فيه الانقسام حول إدارة هذا الملف، تتحول الامتحانات الرسمية تدريجياً من مجرد استحقاق تربوي إلى قضية وطنية ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على حماية مواطنيها واتخاذ قرارات تراعي الواقع الاستثنائي الذي يمر به لبنان. وبين حق الطلاب في التعليم وحقهم بالأمان، يبقى السؤال الذي يطرحه الأهالي يومياً: هل تستطيع الدولة فعلاً أن تضمن سلامة أولادهم، أم أن اللبنانيين تُركوا مرة جديدة لمواجهة مصيرهم وحدهم؟
المصدر:
النشرة