آخر الأخبار

من الضاحية إلى طهران: سقوط قواعد الاشتباك القديمة وبداية معادلات جديدة

شارك

قبل أيام، كان الرهان السائد في العديد من العواصم ومراكز الأبحاث أن إيران لن تلجأ إلى ردّ مباشر على إسرائيل . وساد الاعتقاد بأن التهديدات مجرد إدارة للصورة، وأن طهران، المثقلة بالعقوبات والحسابات الداخلية، لن تغامر بمواجهة مفتوحة حتى لو اعتدت الأخيرة على بيروت . لكن ما أعقب العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية أطاح بهذه الفرضية. فقد ردّت إيران، ولم يكن ردّها رمزياً بالكامل، ولا إعلاناً لحرب شاملة، بل محاولةً جدية لرسم معادلة جديدة: إذا وسّعت إسرائيل نطاق النار لتطال ما تعتبره طهران خطوطاً حمراء مرتبطة ب اتفاق وقف إطلاق النار بينها وبين الأميركيين، فإن إيران ستدخل المعادلة بنفسها.

بهذا المعنى، حمل إطلاق الصواريخ رسالة سياسية واستراتيجية مزدوجة: الأولى لإسرائيل، مفادها أن هامش الحركة الذي اعتادت عليه لسنوات لم يعد مفتوحاً بلا كلفة؛ والثانية للولايات المتحدة، مفادها أن أي محاولة لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة، أو فرض وقائع جديدة على لبنان وغزة وإيران في آنٍ واحد، قد تجرّ المنطقة إلى اشتباك لا يستطيع أحد التحكم بإيقاعه.

لكن ما تلا ذلك كان أكثر تعقيداً. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب ، الذي حاول الظهور بمظهر الساعي إلى منع الانفجار الكبير، أوحى بعدم رغبته في ردّ إسرائيلي على الضربة الإيرانية. وبدا الأمر وكأن واشنطن تريد تثبيت الرد الإيراني ضمن سقف محسوب، ثم العودة إلى مسار الاحتواء. غير أن إسرائيل ردّت فجراً، ما فتح الباب أمام السؤال الأهم: هل يستطيع بنيامين نتنياهو أن يتحرك بمعزل عن إرادة ترامب؟

ترى مصادر سياسية أن العلاقة بين الرجلين أكثر تعقيداً من الصورة التي تختزل إسرائيل كمجرّد منفذ للرغبات الأميركية. فنتنياهو يدرك أن الأمن الاستراتيجي لإسرائيل، وتفوقها العسكري، وقدرتها على خوض حرب طويلة، مرتبطة عضوياً بالدعم الأميركي السياسي والعسكري والاقتصادي. لكنه يدرك أيضاً أن لكل رئيس أميركي حساباته، وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية، الذي يواجه أزمات داخلية وتحديات سياسية، قد يجد أحياناً في التصعيد وسيلة لفرض وقائع على حليفه الأميركي نفسه.

وتشير هذه المصادر إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يتصرف فيها نتنياهو بطريقة تبدو وكأنها تحرج واشنطن أو تتجاوز رغباتها التكتيكية. فقد فعل ذلك مراراً عندما اعتقد أن المصالح الإسرائيلية الآنية تقتضي الذهاب أبعد مما ترغب به الإدارة الأميركية. لكن الفرق اليوم هو أن هامش المناورة أضيق بكثير، وبالتالي لا ترجح المصادر أن نتنياهو تصرف بمعزل عن الموافقة الأميركية، سواء عند ضرب الضاحية أو عند الرد على الضربة الإيرانية.

فتح الرد الإيراني الباب أمام جملة من السيناريوهات التي بدت، حتى وقت قريب، أقرب إلى الفرضيات النظرية. إلا أن انتهاء هذه الجولة من التصعيد، من دون انزلاق فوري إلى حرب شاملة، لا يعني عودة المنطقة إلى ما كانت عليه، بل يشير إلى انتقالها إلى مرحلة جديدة تقوم على قواعد اشتباك مختلفة.

فالسيناريو الذي بدا أنه تحقق مؤقتاً في هذه الجولة يقوم على نموذج "الضربات المتبادلة المضبوطة": إسرائيل توجه ضربة، فترد إيران عليها، ثم يتدخل الوسطاء الإقليميون والدوليون لإعادة الجميع إلى حالة تجميد الصراع. وهذا النموذج يسمح لإيران بإثبات أنها لم تعد تقبل تجاوز خطوطها الحمراء من دون رد، بينما تحافظ إسرائيل، بالمقابل، على الردع، ولو شكلياً، خلال هذه المرحلة.

لكن نجاح هذا السيناريو في احتواء الجولة الحالية لا يعني استقراره على المدى الطويل. فالمعادلات الجديدة باتت أكثر هشاشة، والهوامش المتاحة للخطأ أضيق بكثير مما كانت عليه سابقاً، ويعد لبنان أحد هذه الهوامش الحساسة.

حتى الآن، تبدو المؤشرات أقرب إلى فرضية " إدارة الصراع " لا إنهائه. فلا إسرائيل تبدو قادرة على حسم خياراتها بالقوة، ولا إيران مستعدة للتراجع عن تثبيت معادلاتها الجديدة، فيما تفضل واشنطن إبقاء التوتر تحت سقف يمكن التحكم به، بانتظار الوصول إلى اتفاق حول "إعلان النوايا" الذي يؤجل الصدام ولا يلغيه.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا