بعد التهديدات
الإسرائيلية بتوسيع دائرة استهدافاتها في
لبنان لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد تهديد
الأمين العام لـ "
حزب الله " الشيخ نعيم قاسم بإسقاط الحكومة في الشارع، لم يعد الحديث عن شهر أيلول في لبنان مجرد تحديد زمني عابر ضمن روزنامة الأحداث الإقليمية، بل كاد أن يتحوّل تدريجياً إلى عنوان سياسي وأمني بالغ الحساسية، تُبنى عليه رهانات الداخل والخارج معًا، باعتباره المهلة المفترضة لاختبار قدرة الدولة
اللبنانية على الدخول في مرحلة جديدة من إعادة ترتيب واقعها الأمني والسياسي، في ضوء التحولات الكبرى التي تضرب المنطقة.
فالمعطيات المتقاطعة من أكثر من عاصمة معنية بالملف اللبناني تشير إلى أن الأشهر الفاصلة عن أيلول ليست مرحلة انتظار بقدر ما هي فترة سماح دولية أخيرة للبنان، قبل الانتقال إلى خيارات أكثر حدة، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو حتى الاقتصادي. إلاّ أن التهديدات المتبادلة بين "تل أبيب" و"حارة حريك" قد أعادت عقارب الساعة إلى الوراء، وصعبّت عمل الفريق اللبناني العسكري إلى اجتماعات البنتاغون الجمعة المقبل.
وفي خلفية هذا المشهد، يبرز عاملان أساسيان يرفعان منسوب القلق :الأول، اقتراب التفاهم الأميركي –
الإيراني من لحظة الحسم، ولو بصورة غير نهائية.
والثاني، الإصرار الدولي المتزايد على ربط أي استقرار طويل الأمد في الجنوب اللبناني بمسألة حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. وهنا تحديدًا تكمن خطورة ما ينتظر لبنان في أيلول.
فالولايات المتحدة، ومعها الدول الغربية والعربية المعنية مباشرة بالوضع اللبناني، لا تنظر إلى هذا الشهر بوصفه موعدًا تقنيًا أو إداريًا، بل باعتباره نقطة تقييم شاملة على قدرة الدولة اللبنانية فعلاً على الالتزام بالتعهدات التي قطعتها، سواء لجهة تنفيذ القرار 1701، أو لجهة ضبط الحدود الجنوبية، أو لجهة البدء عمليًا بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة و"حزب الله" ضمن معادلة مختلفة عن تلك التي حكمت لبنان منذ عام 2006.
لكن ما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا هو أن أيلول لا يرتبط فقط بلبنان، بل يتقاطع مع مسارات إقليمية ودولية متعددة.
فالمنطقة بأسرها تبدو وكأنها تتجه نحو إعادة إنتاج توازنات جديدة بعد الحرب الطويلة الممتدة من غزة إلى جنوب لبنان والبحر الأحمر. وفي مثل هذه اللحظات الانتقالية، غالبًا ما تتحول الساحات الهشة إلى أماكن اختبار للاتفاقات الكبرى. وليس خافيًا على أحد أن لبنان يأتي في مقدمة هذه الساحات.
فإذا نجحت المفاوضات الأميركية –
الإيرانية في تثبيت تفاهمات أولية حول ملفات المنطقة، فإن لبنان سيكون أمام مرحلة ضغوط غير مسبوقة لترجمة هذه التفاهمات ميدانيًا. أما إذا فشلت المفاوضات أو تعثرت، فإن الساحة اللبنانية قد تتحول مجددًا إلى صندوق رسائل بالنار بين القوى المتصارعة. من هنا، تبدو الاحتمالات المفتوحة أمام لبنان حتى أيلول شديدة التناقض.
الاحتمال الأول يتمثل في نجاح المسار التفاوضي الإقليمي، ما يفتح الباب أمام نوع من "التهدئة المنظمة" في الجنوب، تترافق مع ضغوط سياسية داخلية ودولية لدفع الدولة اللبنانية نحو خطوات تدريجية تتعلق بحصر القرار الأمني والعسكري بمؤسسات الدولة. وهذا السيناريو، وإن كان الأقل كلفة أمنيًا، إلا أنه سيكون الأكثر تعقيدًا سياسيًا، لأنه سيضع الداخل اللبناني أمام انقسام حاد حول كيفية مقاربة ملف سلاح "حزب الله" ودوره الإقليمي.
أما الاحتمال الثاني، فيقوم على فشل التفاهمات أو انهيارها عند مرحلة التفاصيل التنفيذية، وهو ما قد يدفع
إسرائيل إلى تصعيد واسع تحت عنوان منع إعادة تموضع "حزب الله" عسكريًا على الحدود، مستفيدة من الغطاء الدولي الذي يربط بين التهدئة وبين تنفيذ الالتزامات اللبنانية. وفي هذه الحال، يصبح أيلول موعدًا لانفجار مؤجل أكثر منه محطة تسوية.
وهناك احتمال ثالث أكثر دقة وخطورة، يتمثل في بقاء الوضع معلقًا بين الحرب والتسوية؛ أي لا اتفاق نهائي ولا مواجهة شاملة، بل استمرار حالة الاستنزاف الحالية بأشكال مختلفة، من الجنوب إلى الداخل الاقتصادي والسياسي اللبناني. وهذا السيناريو قد يكون الأكثر ترجيحًا، لأن القوى الدولية والإقليمية تبدو حتى الآن غير جاهزة لا للحرب الكبرى ولا للتسوية الكاملة.
لكن وسط كل هذه السيناريوهات، تبقى المعضلة الأساسية داخلية بامتياز، إذ أن لبنان يدخل هذه المرحلة الدقيقة في ظل دولة شبه مشلولة، واقتصاد منهار، ومؤسسات عاجزة، وانقسام سياسي عمودي، فيما يزداد شعور اللبنانيين بأن بلدهم بات يُدار وفق إيقاع التفاهمات الخارجية أكثر مما يُدار وفق قرار وطني جامع.
ولهذا، فإن أيلول قد لا يكون مجرد موعد سياسي، بل لحظة مفصلية تحدد شكل لبنان في السنوات المقبل. فهل ينجح في التحول إلى دولة تستعيد تدريجيًا قرارها السيادي والأمني ضمن تسوية إقليمية كبرى، أم يبقى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مع ما يحمله ذلك من أخطار على الكيان والاقتصاد والاستقرار؟
حتى الآن، لا أحد يملك جوابًا حاسمًا. لكن المؤكد أن لبنان يقترب من واحد من أكثر أشهره حساسية منذ سنوات طويلة، وأن ما بعد أيلول قد لا يشبه ما قبله، سواء اتجهت المنطقة نحو التسوية أو نحو الانفجار الكبير.