كتبت " اللواء": قرر النائب العام المالي القاضي ماهر شعيتو ترك
المدير العام لمؤسسة كهرباء
لبنان كمال حايك رهن التحقيق، بعدما كان امن الدولة استمع الى حايك في قضية فقدان 500 طن من النحاس في احد مستودعات المؤسسة.
وسيَشمل نطاق التدقيق، بصورة خاصة، ما يلي:
برنامج الدعم الذي أقرّته الحكومات المتعاقبة آنذاك، والذي تضمّن تحويلات ومدفوعات بلغت قيمتها عدة مليارات من الدولارات الأميركية.
الأموال التي وضعها
مصرف لبنان بتصرّف المؤسسات العامة والهيئات الحكومية.
التحويلات التي أجراها مصرف لبنان إلى المصارف التجارية عبر تحويلات دولية إلى حساباتها في الخارج.
كما يهدف هذا التدقيق الجنائي بصورة أساسية إلى التحقق مما يلي:
أنّ جميع المدفوعات والتحويلات، وسيما تلك المتعلقة ببرامج الدعم، قد جرت بموجب تفويضات وأذونات قانونية ووفقاً للأصول المعتمدة.
أنّ الأموال قد وصلت إلى الجهات المستفيدة المصرّح لها والمحددة بصورة واضحة.
أنّ الأموال استُخدمت للغاية المحددة لها، ومن دون أي مخالفة أو إساءة استعمال أو استغلال للمال العام.
كذلك، سيساهم هذا التلزيم في دعم الجهات المختصة لدى
وزارة المالية ووزارة العدل في تحديد وملاحقة الحالات التي تكون قد حصلت فيها بعض الجهات أو الأفراد على أموال الدعم بصورة غير مشروعة، أو الحالات التي استُخدمت فيها الأموال خلافاً للأهداف المعلنة لبرامج الدعم.
ومن شأن هذا التدقيق أن يسمح لمصرف لبنان بتكوين صورة دقيقة ومستقلة ومدققّة لحجم الأموال التي تم إنفاقها خلال الفترة ما بين ت١ ٢٠١٩ ونهاية العام ٢٠٢٣.
وكتبت سلوى بعلبكي في" النهار": تعزي قضية سرقة مئات الأطنان من النحاس من مستودعات مؤسسة كهرباء لبنان، واقع الانهيار العميق الذي أصاب مؤسسات الدولة، على مستوى الخدمات والإدارة والرقابة والمحاسبة وحماية المال العام. فالقضية تجاوزت إطار العجز المالي المزمن والتقنين الكهربائي وسوء الإدارة، لتكشف نموذجاً خطراً عن مؤسسة استراتيجية تدار وسط فوضى إدارية ورقابية سمحت بتحويل المستودعات إلى مساحة مستباحة للهدر والسرقة والتلاعب بالمستندات. لا تختصر الفضيحة بسرقة نحو 500 طن من النحاس، بل تكشف وجود منظومة متكاملة من الثغر والتغطيات والغياب شبه الكامل للرقابة، إذ اختفت مواد تقدّر قيمتها بملايين الدولارات على مدى سنوات، من دون جردات فعلية أو تدقيق مالي واضح، فيما استخدمت قسائم وهمية ومستندات مزورة لتغطية عمليات الاستبدال والبيع والتلاعب بالمخزون داخل المؤسسة. تزداد خطورة الملف مع الحديث عن غياب أي جردة حقيقية لمستودعات المؤسسة منذ عام 2014، ما يطرح أسئلة أساسية عن مصير المواد المخزنة، والجهات التي كانت تدير هذا القطاع الحيوي، وكيف مرت سنوات طويلة من دون كشف اختفاء كميات ضخمة من النحاس والمعادن؟
بدأت القضية بعدما تلقى مكتب أمن الدولة في مرفأ
بيروت معلومات عن سرقة كميات كبيرة من كابلات النحاس من مستودعات مؤسسة كهرباء لبنان. وعلى إثر ذلك، جرى التواصل مع النائب العام المالي القاضي ماهر شعيتو الذي أعطى إشارة بفتح التحقيق ودخول المستودعات. ومع بدء التحقيقات، ظهرت معطيات صادمة، إذ عثر المحققون على قسائم تظهر إخراج كابلات النحاس من المخازن، تزامناً مع بروز مستندات أخرى تشير إلى إدخال كميات من الحديد، في محاولة لإظهار أن المواد المسروقة جرى استبدالها بمواد أخرى. غير أن التدقيق كشف أن إدخال الحديد كان وهمياً في عدد من الحالات، وأن الكميات الواردة في المستندات لم تدخل فعلياً المستودعات، ما عزز فرضية وجود عمليات منظمة لتغطية سرقة النحاس عبر تلاعب إداري ومستندي ممنهج.
تكشف أسعار المعادن حجم الخسائر الهائل. فسعر طن النحاس عالمياً يراوح بين 12 ألفاً و16 ألف دولار، بينما لا يتجاوز سعر طن الحديد نحو ألف دولار. وهذا يعني أن الحديث يدور عن عشرات ملايين الدولارات من الأموال العامة التي اختفت من دون رقابة فعلية. وبحسب التحقيقات، جرى تصنيف كابلات نحاسية على أنها "خردة" غير صالحة للاستعمال، ما سهّل إخراجها من المستودعات وبيعها لاحقاً. وأشارت المعلومات إلى أن أمين المستودع عمد إلى تضليل الدائرة المالية عبر مستندات وتقارير توحي بأن المواد المخزنة لا قيمة تشغيلية لها.
وفي سياق التحقيقات، أوقف
القضاء موظفين بعد ثبوت تورطهما في الملف، واستُدعي المدير العام للمؤسسة كمال حايك إلى مكتب أمن الدولة في مرفأ بيروت للاستماع إلى إفادته.
واحدة من أخطر الوقائع التي كشفتها التحقيقات تتمثل في غياب أي جردة فعلية لمستودعات المؤسسة منذ عام 2014. وهذا الأمر لا يعكس مجرد إهمال إداري، بل يطرح شبهات حول وجود تغطية أو تواطؤ سمح باستمرار السرقات لسنوات طويلة. فكيف يمكن مؤسسة تدير أصولاً بمئات ملايين الدولارات أن تعمل من دون جردات دورية؟ وكيف تدقق الحسابات وتقيم الموجودات من دون مطابقة فعلية للمخزون؟
مصادر متابعة تؤكد أن المؤسسة تمتلك مواد ذات قيمة مالية ضخمة، من محولات وكابلات وشبكات وأعمدة وتجهيزات، إلا أن غياب الجردات والتدقيق المنتظم حوّل هذه الموجودات إلى ما يشبه "الرزق السائب"، ما فتح الباب أمام السرقات والهدر والتلاعب. وتشير المصادر إلى أن "البنك الدولي فرض خلال السنوات الأخيرة وجود مدققين ماليين مستقلين، غير أن ذلك لم ينعكس عملياً على مستوى الجردات والمراقبة الفعلية للمستودعات".
"ما كُشف حتى الآن ليس سوى جزء بسيط من واقع أوسع داخل قطاع الكهرباء، حيث تتداخل الصفقات والهدر مع ضعف الرقابة وغياب المحاسبة"، وفق المصادر عينها التي تحمّل "الإدارة مسؤولية أساسية، لأن دورها الطبيعي يتمثل في فرض الجردات والتدقيق في الحسابات ومراقبة حركة المخزون". بيد أن الأجواء داخل المؤسسة، بحسب المصادر عينها، كانت تسمح باستمرار هذا النوع من الممارسات لسنوات، معتبرة قضية النحاس "نقطة في بحر"، مقارنة بحجم الهدر القائم في مختلف مفاصل القطاع، فكل ما يتعلق بالكهرباء، من شراء المعدات إلى إدارة الشبكات والعدادات، يشهد ثغراً كبيرة تسمح بالهدر والسرقة".
القضية أعادت أيضاً فتح ملف العدادات الكهربائية، إذ تشير مصادر مطلعة إلى أن "المؤسسة استمرت في شراء تجهيزات ضخمة للشبكة، كمحولات ومفاتيح كهربائية وكابلات بمئات ملايين الدولارات، فيما بقي ملف العدادات مجمداً لسنوات طويلة". وبحسب المصادر، لم تشترِ عمارات جديدة منذ سنوات، رغم أن سعر العداد متدنٍ مقارنة ببقية التجهيزات، ما أدى إلى تفاقم الهدر على الشبكة، حيث يحصل بعض المشتركين على قواطع كهربائية من دون عدادات واضحة، في ظل ضعف الرقابة على الاستهلاك والفوترة.
وترى أن "هذا الواقع أحدث نوعاً آخر من النزف المالي داخل القطاع، توازياً مع الهدر المرتبط بالمشتريات والمخزون والسرقات".
وزارة الطاقة والمياه أعلنت أنها أعطت الإذن بالتوسع في التحقيقات وملاحقة أي موظف يثبت تورطه، بالتنسيق مع
النيابة العامة المالية. إلا أن هذا التحرك أثار بدوره تساؤلات عن دور الوزارة الرقابي خلال الأعوام الماضية، وخصوصاً أن ملف الجردات والتدقيق المالي يدخل ضمن مسؤوليات المتابعة الإدارية التي يُفترض أن تمارس على المؤسسة. كذلك أثار توقيت
الكشف عن القضية الكثير من الجدل، خصوصاً مع اقتراب البحث في قانون عفو عام، ما دفع متابعين إلى التحذير من احتمال استفادة بعض المتورطين أو الجهات التي اشترت النحاس المسروق من أي تسويات مستقبلية، رغم تأكيد مصادر قضائية أن التحقيقات تسلك مساراً مالياً وقضائياً صارماً ولا تستفيد من أي غطاء أو عفو.