لا يشبه الخامس والعشرون من أيار 2026 الخامس والعشرين من أيار 2000، ولا التاريخ نفسه في كلّ السنوات اللاحقة، حين كان ل عيد المقاومة والتحرير بريقه الخاص، بريق كان من البديهي أن يغيب، حين يعود الجنوب إلى واجهة النار، وتعود صور إلى دائرة الإنذارات والقلق، وتمتدّ الغارات ال إسرائيل ية إلى البقاع ، على وقع تصاعد أصوات تطالب بتوسيع العمليات والعودة إلى استهداف العاصمة بيروت .
ففي الذكرى السادسة والعشرين للتحرير، يعيش لبنان ذكراه الأكثر مرارةً، فيما الحرب مستمرّة على كامل الجبهة الجنوبية، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدا، في التطبيق العملي، عاجزًا عن حماية الجنوب، وإن خفّف احتمالات توسّع الحرب إلى بيروت والضاحية إلى حدّ ما، وكلّ ذلك في ظل هدنة لا تزال تحمل اسمها وقد فقدت مضمونها، وكأنّ الذكرى التي ارتبطت في الوعي اللبناني بانكفاء الاحتلال، تُستعاد اليوم على وقع سؤال معاكس: ماذا بقي من قدرة لبنان على حماية أرضه وقراره؟
هنا، ثمة مفارقة لا تخطئها العين بين طبيعة هذه الذكرى ومشهدها الراهن. فلبنان اليوم لا يحتفي بتحرير مضى، بل يواجه احتلالاً متجددًا يتذرع بذرائع مختلفة وأدوات أكثر تطورًا. والأخطر من الغارات المتكررة التي أودت بحياة المئات منذ توسّع الحرب، هو المشهد الأوسع الذي يُرسم فوق الرأس اللبناني: مفاوضات إقليمية تُحدَّد فيها مصائر البلاد بين واشنطن و طهران ، في حين يكاد لبنان يكون غائبًا عن صياغة شروط بقائه.
هكذا يجد لبنان نفسه في لحظة شديدة الالتباس: يُضغط عليه بالنار من جهة، ويُدرج اسمه في تفاهمات محتملة من جهة أخرى، من دون أن يبدو أنه يملك القدرة الكاملة على ضبط مسار الحرب أو صياغة شروط التهدئة. هنا، لا تعود المشكلة اللبنانية محصورة في الخشية من استمرار الحرب، على خطورتها وكلفتها، ثمة خشية موازية من أن يأتي وقف النار نفسه ضمن سلّة إقليمية لا يكون لبنان طرفًا فعليًا في صياغتها. فمن يحميه من حرب الآخرين.. وسلامهم؟
التصعيد كرسالة تفاوضية
ليس جديدًا أن تفاوض إسرائيل تحت النار، أو حتى أن تستبق التفاوض لرفع سقفها، حتى تفرض شروطها عند ساعة الجدّ. بهذا المعنى، يُفهَم التصعيد الإسرائيلي في الساعات الأخيرة جزءًا من "عدّة الشغل"، حيث تحاول إسرائيل أن تعيد تثبيت حرية الحركة العسكرية كجزء من شروط المرحلة المقبلة، بعدما تقلّص "هامش" هذه الحرية في الأسابيع الماضية، بفعل ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي اختار الدخول على الخط مباشرة بعد "الأربعاء الأسود".
من هنا، تبدو الغارات على الجنوب والبقاع، وإنذارات الإخلاء، والتلويح بإعادة بيروت إلى بنك الأهداف، كلها عناصر في رسالة واحدة: أي اتفاق لا يقيّد إسرائيل ما لم يمنحها ضمانات أمنية واضحة، وأي تهدئة لا تعني، في الحسابات الإسرائيلية، نهاية القدرة على الضرب حيث تشاء ومتى تشاء. وبهذا المعنى، لا يمكن قراءة التصعيد بوصفه ردًّا على وقائع ميدانية فقط، حتى لو برّرت إسرائيل ضرباتها بمسيّرات حزب الله أو بعمليات تقول إنها تستهدف بنى عسكرية.
فالتوقيت والسياق يؤكدان أن التصعيد يأتي في إطار معادلة تفاوضية غير معلنة: رفع الكلفة قبل التسوية، وتثبيت الشروط قبل وقف النار، وإبلاغ الجميع بأنّ الجبهة اللبنانية لن تُدار فقط بما تريده واشنطن أو طهران، وإنما أيضًا بما تفرضه تل أبيب على الأرض.
حزب الله أمام سؤال الردع والكلفة
في المقابل، يجد حزب الله نفسه أمام معادلة لا تقل تعقيدًا. فهو يريد أن يؤكد أنّ السلاح لا يزال ضروريًا ما دامت إسرائيل تضرب وتحتل وتلوّح بتوسيع العدوان، وأنّ أي بحث في الاستراتيجية الدفاعية أو مستقبل الجبهة لا يمكن أن يجري تحت النار ومن دون انسحاب وضمانات. غير أنّ استمرار الغارات واتساع رقعة التهديد يضعان الحزب أيضًا أمام سؤال النتائج: هل تستطيع معادلة الردع أن تمنع التصعيد؟ وهل يكفي تثبيت حق المقاومة إذا بقيت المدن والقرى والناس تحت وطأة الاستنزاف والتهديد المفتوح؟
هذا السؤال لا يستهدف أصل المواجهة مع إسرائيل، ولا ينفي أنّ الاعتداءات الإسرائيلية هي سبب مباشر في إبقاء مناخ الحرب مفتوحًا، لكنه يفرض نقاشًا أكثر صعوبة على الحزب وخصومه معًا. فالمقاومة التي تقدّم نفسها ضمانة لحماية لبنان تجد نفسها مطالبة بشرح حدود قدرتها على منع الانزلاق إلى حرب أوسع، في حين يجد خصومها أنفسهم مطالبين بتقديم تصور فعلي لحماية الجنوب، لا الاكتفاء بالمطالبة بحصرية السلاح في ظل دولة لا تزال عاجزة عن فرض شروطها على إسرائيل.
الدولة بين الحرب والاتفاق
هذا السؤال لا يخص حزب الله وحده، لأنّ الدولة اللبنانية تبدو بدورها أمام امتحان أقسى من المعتاد. فهي مطالبة بأن ترفض الاعتداءات، وتتمسك بالانسحاب الإسرائيلي، وتدافع عن القرار 1701، وتطالب بوقف النار الكامل، لكنها مطالبة أيضًا بأن تثبت أنها ليست مجرد متلقية لنتائج ما يقرره الآخرون. ففي نيسان الماضي، كان لبنان بندًا في ملحق اتفاق، لم يكن لبنان شريكًا فعليًا في صياغته كما ينبغي.
قد لا يكون هذا الأمر جديدًا في التجربة اللبنانية، فلبنان عرف دائمًا أن السلام الإقليمي يمر من فوقه لا معه، وأن التسويات الكبرى تنتجها عواصم بعيدة ثم تُوضع أمام بيروت كأمر واقع. غير أن ما يُضاف اليوم هو هشاشة استثنائية في البنية اللبنانية ذاتها، في وقت تحاول الدولة استعادة حضورها في ظل حرب لم تختر خوضها، بينما يواصل الطيران الإسرائيلي غاراته على مناطق مدنية يُفترض أنها خارج دائرة الاشتباك.
في هذا المعنى، تبدو الدولة اللبنانية بين ضغطين متعاكسين. إذا تقدمت سريعًا في اتجاه التزامات أمنية لا تملك كل أدوات تنفيذها، تصبح معرضة لانفجار داخلي أو لعجز لاحق عن الوفاء بما تعهدت به. وإذا اكتفت بالانتظار، تترك الآخرين يكتبون القواعد عنها. وإذا رفعت السقف السياسي من دون قدرة فعلية، تظهر عاجزة. وإذا خفضته أكثر مما يجب، تبدو كأنها تقبل بأن يكون لبنان بندًا في صفقة لا طرفًا في اتفاق.
لبنان يفاوض ولا يملك أوراقه
لكنّ امتحان الدولة لا يتوقف عند إعلان الموقف، بل يبدأ فعليًا عند لحظة التفاوض. فمنذ نيسان الماضي، جرت جولات تفاوضية لبنانية-إسرائيلية برعاية أميركية، هي الأولى من نوعها منذ عام 1993. وقد أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن لبنان "يرفض أن يتولى أي طرف التفاوض نيابة عنه"، وأن الدولة اللبنانية وحدها تملك هذه الصلاحية.
غير أنّ أهمية الشكل لا تلغي السؤال الأهم: ماذا يحمل لبنان إلى هذه الطاولة؟
الورقة العسكرية تكاد تكون مغيّبة بعد سنوات من إضعاف المؤسسات، والورقة الاقتصادية مربوطة بشروط إعادة الإعمار الدولية، والورقة السياسية الداخلية تظل مشتتة بين قوى لا تجمعها حتى اليوم رؤية موحدة لما تريده من أي تسوية. هذا لا يعني أن الموقف اللبناني الرسمي يفتقر إلى الوضوح على مستوى الخطاب. فرئيس الجمهورية جوزاف عون أكد مرارًا مطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل بوصفه ثابتًا غير قابل للتنازل، وطالب واشنطن بالضغط على تل أبيب لوقف هجماتها قبل جولات التفاوض. لكن الفجوة بين وضوح الخطاب وهشاشة الرافعات تبقى واسعة، حيث يدرك الجانب الإسرائيلي هذه الهشاشة جيدًا ويستثمرها في رسم سقوف التفاوض.
ومع اقتراب الجولة الرابعة من المحادثات، يجد لبنان نفسه أمام معادلة صعبة، فالحرب على الجنوب لم تتوقف يومًا واحدًا بمفهومها العملي، ووقف إطلاق النار المُمدَّد حتى مطلع تموز المقبل يُخرق بشكل شبه يومي، وقد بلغت نسبة الانتهاكات مستوى لافتًا أفضى إلى سقوط مئات الضحايا خلال أسابيع الهدنة ذاتها. وبالتالي فلا خيار أمام لبنان سوى التفاوض وهو ينزف، أو الامتناع عن التفاوض وهو ينزف أيضًا.
كلا الخيارين مؤلم، غير أن الفارق يكمن في ما إذا كان التفاوض يُنتج شيئًا أم يُضفي شرعيةً على الوضع القائم؟ فلبنان لا يملك اليوم موقفًا وطنيًا موحدًا حول معنى الحماية. هناك من يرى الحماية في حصرية السلاح والقرار بيد الدولة، باعتبار ذلك الطريق الوحيد إلى سيادة فعلية. وهناك من يرى أنّ الدولة غير قادرة على حماية البلد ما دامت إسرائيل تضرب وتحتل وتفرض شروطها، وأنّ أي بحث في السلاح قبل وقف العدوان والانسحاب سيكون تنازلًا مجانيًا.
ربما لا يكون المطلوب من لبنان أن يعادي أي اتفاق يوقف النار، ولا أن يتعامل مع التصعيد كقدر لا يمكن تفاديه. لكنّ المطلوب أولًا وقبل كل شيء، هو أن ينتزع لنفسه موقعًا داخل المعادلة. أن يقول بوضوح إنّ وقف الحرب لا يكتمل من دون وقف الاعتداءات، وإنّ أي ترتيبات أمنية لا قيمة لها إذا لم تبدأ بانسحاب إسرائيلي واضح، وإنّ الدولة لا تستطيع أن تتحول إلى واجهة لتنفيذ شروط لا تشارك في صياغتها، كما لا تستطيع أن تبقى معلّقة على انتظار ما يقرره الآخرون.
بين حرب الآخرين وسلامهم
في ذكرى التحرير، تبدو المفارقة قاسية. فالبلد الذي احتفل قبل ستة وعشرين عامًا بخروج الاحتلال من معظم الجنوب، يجد نفسه اليوم أمام احتلال جزئي واعتداءات مفتوحة وتهديدات تتدرج من القرى الحدودية إلى البقاع، وصولًا إلى احتمال إعادة بيروت إلى دائرة الاستهداف. هذا وحده كافٍ لنزع الطابع الاحتفالي عن المناسبة، وتحويلها إلى سؤال سياسي مباشر: كيف يصون لبنان إنجاز التحرير إذا كان عاجزًا عن منع تحويل أرضه إلى صندوق بريد إقليمي؟
الخطر اليوم أنّ لبنان قد يجد نفسه أمام معادلة مزدوجة: حرب تُدار فوق أرضه، وسلام يُكتب باسمه من دون حضوره. في الأولى يدفع ثمن الغارات والنزوح والدمار، وفي الثانية قد يدفع ثمن الضمانات والشروط والترتيبات التي تصنعها حسابات أكبر منه. وبين حرب الآخرين وسلامهم، لا يبقى أمام لبنان سوى معركة واحدة تستحق أن تُخاض: استعادة حقه في تعريف مصلحته الوطنية، قبل أن تصبح أرضه بندًا في الاتفاق، وشعبه هامشًا في حسابات الإقليم.
التحرير الحقيقي، إن كان ثمة معنى لإحياء ذكراه، هو أن يكون لبنان طرفًا يصنع تسوياته لا أرضًا تُعقد التسويات فوقها...
المصدر:
النشرة