أعاد نصبٌ تعريفي في منطقة " سوريا الصغيرة" في مدينة نيويورك الاميركية فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة اللبنانية ـ السورية ، بعدما تضمّن توصيف عدد من أدباء ومفكري المهجر، وبينهم جبران خليل جبران، على أنهم "سوريون"، ما أثار موجة غضب واسعة في أوساط الجالية اللبنانية، ودفع وزير الخارجية يوسف رجي إلى المطالبة بتعديل اللوحة، معتبراً أنها تمحو الهوية اللبنانية وتعيد تقديم شخصيات لبنانية ضمن إطار لا يعكس واقعها التاريخي والسياسي .
القضية بدأت مع تثبيت لوحة تذكارية في الحي الذي كان يعرف تاريخياً باسم "Little Syria" في مانهاتن، وهو الحي الذي استقبل موجات مهاجرين من بلاد الشام أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وبحسب القائمين على المشروع، فإن التسمية تعود إلى الحقبة العثمانية، حين كانت المنطقة الممتدة من لبنان وسوريا وفلسطين والأردن تُعرف في الأدبيات الغربية باسم "سوريا الكبرى" أو "بلاد الشام". لكن الاعتراض اللبناني لم يكن على الاسم التاريخي للحي بحد ذاته، بل على تقديم شخصيات لبنانية معروفة وكأنها سورية الهوية والانتماء.
هذا الحدث أعاد إحياء الجدلية التاريخية التي عمرها عقود، وربما أكثر من قرن. فمنذ نشوء دولة لبنان، بقي جزء من الخطاب السياسي والثقافي في سوريا ينظر إلى لبنان باعتباره امتداداً جغرافياً وتاريخياً لسوريا الطبيعية، فيما تشكّل في المقابل داخل لبنان خطاب مضاد يقوم على التشديد على الخصوصية اللبنانية والهوية المستقلة .
هذه الحساسية لم تولد مع النظام السوري السابق فقط، ولم تختفِ مع تبدل الأنظمة أو التحولات السياسية. فحتى بعد تراجع النفوذ السوري المباشر في لبنان، لا تزال تظهر بين وقت وآخر سجالات تتعلق بالهوية والانتماء والتاريخ المشترك. وفي كل مرة يعود النقاش نفسه: هل لبنان كيان مستقل بهويته الخاصة، أم جزء من فضاء مشرقي أوسع جرى تقسيمه سياسياً؟
المفارقة أن شخصيات مثل جبران وميخائيل نعيمة، وإيليا أبي ماضي عاشت فعلاً ضمن فضاء ثقافي مشرقي واحد، وهاجرت من منطقة كانت تُعرف خارجياً باسم "سوريا العثمانية"، لكن ذلك لا يلغي هويتهم اللبنانية التي أصبحت لاحقاً جزءاً أساسياً من إرثهم الأدبي والسياسي. ولهذا، يبدو أن الأزمة أعمق من مجرد خطأ تاريخي أو توصيف أكاديمي. إنها صراع مزمن على السردية والذاكرة والهوية، يتجدد كلما ظهر حدث يعيد خلط الحدود بين التاريخ والجغرافيا والسياسة. فالمشكلة، بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، ليست في الاعتراف بالتاريخ المشترك بين البلدين، بل في الخوف الدائم من ذوبان الكيان اللبناني داخل رواية أوسع تنزع عنه خصوصيته .
وربما لهذا السبب تحديداً، لم تنهِ السنوات الطويلة ولا تغيّر الأنظمة هذا الجدل. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بالسياسة، بل بعقلية متجذرة لدى الطرفين، ترى في التاريخ حقاً دائماً في إعادة تعريف الحاضر، وعقلية أخرى تخشى دائماً أن يتحول هذا التاريخ إلى وسيلة لإلغاء الهوية .
المصدر:
لبنان ٢٤