تحت عنوان "متجذّرون في المسيح والتقاليد"، وجريًا على عادتها السنوية نظمت أبرشية مار مارون في كندا، بإشراف مباشر من راعي الأبرشية المطران بول مروان تابت مؤتمر الشبيبة المارونية، الذي عُقد هذه السنة في مدينة هاليفاكس بمشاركة خمسمئة شابة وشاب من مختلف الرعايا الكندية، وذلك تأكيدًا لحضور الشبيبة المارونية في كندا كقوة إيمان وتواصل، والساعية إلى عيش تراث الأجداد والأباء بمفهوم جديد وعصري، مع الحفاظ على روحية رسالة الكنيسة الجامعة والموحدة.
المطران تابت
افتتح المطران تابت المؤتمر، الذي تميّز هذه السنة، وككل سنة، بحضور كثيف للشبيبة المارونية من مختلف المقاطعات الكندية، بكلمة رحب بها بجميع المشاركين، وقال: "اليوم لا يمثّل مجرد افتتاح لفعالية أو مناسبة، بل يشكّل بداية لقاء جديد؛ لقاء بين الأجيال والخبرات والأفكار والطموحات. والأهم من ذلك، هو لقاء مع هويتنا: من نحن كموارنة، وككنديين من أصل لبناني، وكشباب يعيشون في عالم سريع التغيّر، مع محافظتهم في الوقت نفسه على ارتباطهم بجذورهم.
وأضاف: "بالنسبة إلى كثيرين منّا، تسير الحياة بوتيرة متسارعة. نبني مسيراتنا المهنية، نتابع دراساتنا، نصنع الفرص، ونتأقلم مع مجتمعات تتطور باستمرار. وفي خضم هذه السرعة، تصبح اللقاءات كهذا المؤتمر أمراً أساسياً، لأنها تمنحنا فرصة للتوقّف والتأمّل في القيم التي شكّلت شخصيتنا: الإيمان، العائلة، الصمود، الضيافة، الخدمة، التراث، وروح الجماعة".
وتابع: "هذه القيم ليست مجرد تقاليد ورثناها عن أهلنا وأجدادنا، بل هي مبادئ حيّة ما زالت ترشدنا حتى اليوم. فهي تؤثّر في طريقة قيادتنا، وتواصلنا مع الآخرين، ومواجهتنا للتحديات، ومساهمتنا في المجتمع، مع بقائنا معتزّين بمن نكون وبأصولنا وانتمائنا. ولهذا السبب، يكتسب هذا المؤتمر أهميته. إنه مهم لأن الهوية لا يمكن أن تستمر عبر الذاكرة وحدها، بل تستمر من خلال الجماعة، والحوار، والمشاركة. فعندما يجتمع شباب مثلكم بانفتاح وهدف مشترك، تعود الثقافة لتنبض بالحياة. تُبنى صداقات جديدة، وتُتبادل الخبرات، ويبدأ جيل جديد برسم معالم
المستقبل . وفي حالتنا، هو يرسم مستقبل الحضور الماروني في كندا وخارجها.
وأكمل: "إن عودتنا إلى هاليفاكس للمرة الثانية ليست صدفة، بل خيار مقصود. ففي عام 2017، استُقبلنا هنا بكرم ودفء وأصالة، وعشنا لحظات لا تُنسى من التواصل والتأمل، وأدركنا أن مجتمعنا، حتى بعيدًا عن
لبنان ، قادر على خلق مساحات يزدهر فيها الإيمان والثقافة والانتماء معًا. وتحمل هاليفاكس بحد ذاتها رمزية جميلة لهذا المؤتمر، إذ نشهد فيها كيف تواصل الأجيال
اللبنانية المارونية الثانية والثالثة الحفاظ على إيمانها وتقاليدها العائلية. كما نكرّم اليوم تضحيات العديد من الآباء والأمهات، والأجداد والجدّات، الذين عملوا بلا كلل للحفاظ على هويتنا وبناء جماعاتنا الرعوية أينما استقروا في كندا، من مونتريال إلى أوتاوا العاصمة، إلى تورونتو، وميسيساغا، وماركهام، ونياغرا، ولندن – أونتاريو، وليمنغتون، وويندسور، وأولد كاسل، إلى إدمونتون، وكالغاري، وفانكوفر، وفيكتوريا، وفريدريكتون، ومونكتون، وشارلوت تاون، وصولًا إلى هاليفاكس حيث نجتمع اليوم".
وتابع: "وسيمنحنا هذا الأسبوع أيضًا فرصة للاستماع إلى شخصيات ملهمة وخوض حوارات مهمة. ويشرّفنا أن نستضيف ثلاثة متحدثين مميّزين: الدكتور وسيم سلامون، حاكم
جزيرة الأمير إدوارد،الأب يوسف شديد، الراهب الأنطوني، والوكيل العام والرئيس الحالي لدير مار أشعيا في روما، والسيدة رولا داغر، الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة CISCO Canada والمسؤولة العالمية السابقة لقنوات Dell .Technologie الذين سيحفّزوننا ويشجّعوننا ويلهموننا من خلال مواضيع تعبّر مباشرة عن واقع الشباب الذين يعيشون في عالم يفتقر إلى المعايير والثوابت. وأتوجه إليهم بالشكر باسمكم جميعًا على تخصيص وقتهم ليكونوا معنا".
وختم: "وخلال هذا المؤتمر، أشجّع كل واحد منكم ليس فقط على الاستماع، بل أيضًا على المشاركة. تحدّثوا مع أشخاص جدد، شاركوا قصصكم، اطرحوا الأسئلة، وابنوا علاقات جديدة. فمستقبل مجتمعنا لا يُبنى فقط عبر الكلمات أو البرامج، بل عبر العلاقات الإنسانية. أما إلى داعمينا، ولا سيما شركة WMFares ممثّلة بسعادة القنصل الفخري لنوفا سكوشا السيد وديع فارس، والسيد موريس فارس المدير التنفيذي للشركة، الموجودين معنا اليوم، فكل الشكر لكم. إن سخاءكم ودعمكم الثابت ساهما بشكل كبير في إنجاح هذا المؤتمر. ولإكليروسنا والمشاركين جميعًا: شكرًا لدعمكم وحضوركم. وإليك يا أبونا عيد، وإلى المنظمين والمتطوعين في رعية سيدة لبنان، ولا سيما فريدي دياب وأنتوني فخري، شكرًا على الساعات الطويلة والتفاني والشغف الذي بذلتموه لجعل هذا اللقاء ممكنًا. فمثل هذه المناسبات لا تحدث بالصدفة، بل لأنها ثمرة إيمان عميق بأهمية الجماعة ودور الشباب فيها. وأخيرًا، إلى كل مشارك موجود معنا اليوم: شكرًا لحضوركم. وجودكم مهم، وصوتكم مهم، وهويتكم مهمة. ليكن هذا المؤتمر فرصة لتعزيز إيماننا، وتعميق اعتزازنا بثقافتنا، وإلهام قيادة ذات معنى، وتذكيرنا بأنه أينما أخذتنا الحياة، فإن جذورنا تبقى راسخة في هويتنا".
وبعد الافتتاح بدأت فعاليات المؤتمر، التي تراوحت بين النشاط الروحي والصلاة والإرشاد والتأمل، والنشاطات الثقافية والاجتماعية، التي تميزت بورشة لصنع مسبحة عملاقة، وإعداد لافتات تعبّر عن غنى التراث اللبناني.
وكانت الليلة الأولى من المؤتمر قد حملت طابعاً روحياً واضحاً، إذ تخللتها صلاة المسبحة، وتأملات روحية، ولحظات صلاة مشتركة، قبل أن تُختتم بدعوة المشاركين إلى مواصلة عيش إيمانهم بروح الوحدة والرجاء، في زمن يحتاج فيه الشباب إلى مساحات لقاء تُعيد وصلهم بجذورهم وبجماعتهم.
وقد شارك في الجلسات الحوارية والارشادية كل من الأب يوسف شديد، الراهب الأنطوني والمدبر العام والرئيس في دير مار إشعيا في روما، والدكتور وسيم سلامون، الاختصاصي في أمراض الأنف والأذن والحنجرة والمدير الطبي لمستشفيات غرب جزيرة الأمير إدوارد والحاكم العام للمقاطعة، إضافة إلى رولا داغر، الرئيسة التنفيذية السابقة لـ Cisco Canada والقيادية السابقة في Dell Technologies.
قداس الختام
وقبل انتهاء أعمال المؤتمر ترأس المطران تابت الذبيحة الإلهية في رعية سيدة لبنان في هاليفاكس، عاونه فيها عدد من كهنة الرعايا المنتشرة في مختلف المناطق الكندية.
وبعد الانجيل المقدس ألقى المطران تابت عظة عن وصية المسيح "أن أحبوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم. وهكذا يعرف العالم أنكم تلاميذي"، وقال: "لم يقل المسيح إن العالم سيعرفكم من خلال انتماءاتكم، أو لغتكم، أو نجاحاتكم، أو حتى من خلال صلواتكم فقط، بل قال إن العلامة الحقيقية هي المحبة. والمحبة التي يتحدث عنها الرب ليست كلامًا جميلاً يُقال، بل حياة تُعاش، وتضحية، وقبول للآخر، ومسامحة، وخدمة، ووفاء.
أنتم، أيها الأحبّة، تعيشون في مجتمع واسع ومتعدد الثقافات، وفي عالم يدفع الإنسان أحيانًا إلى الفردية والانغلاق والبحث عن الذات فقط. لكن دعوتكم كمسيحيين وكشبيبة مارونية هي أن تكونوا شهودًا لمحبة المسيح في جامعاتكم، وفي بيوتكم، وفي صداقاتكم، وفي مجتمعكم الكندي الذي يحتضنكم.
المحبة التي يريدها المسيح ليست ضعفا، بل قوة. هي القدرة على أن نقف إلى جانب المتألم، وأن نحترم المختلف، وأن نساعد من يحتاج، وأن نرفع بدلًا من أن نهدم، وأن نزرع رجاءً بدلًا من الخوف والانقسام.
وفي زمن الانقسامات والصراعات والكراهية التي يعيشها عالمنا، يحتاج الناس إلى أن يروا فيكم صورة مختلفة؛ صورة الشاب المؤمن الذي ينجح من دون أن يفقد قيمه، والذي ينفتح على العالم من دون أن يذوب فيه، والذي يحمل هويته اللبنانية والمارونية بروح محبة لا بروح تعصب.
أحبّائي، لا تسمحوا للانقسامات أن تدخل بينكم، ولا للغربة أن تُبعدكم عن بعضكم البعض، ولا لسرعة هذا العالم أن تُفقدكم دفء العلاقات الإنسانية الحقيقية. كونوا قريبين من بعضكم بعض، من عائلاتكم، من كنيستكم، ومن كل إنسان يحتاج إلى كلمة طيبة أو حضور صادق. بهذا فقط يعرف العالم أنكم أبناء المسيح، وتلاميذه الحقيقيون".
ودعا الشباب الماروني المنتشر في كندا وفي مختلف أنحاء العالم، ولاسيما في كندا، إلى وقفة تأمل في ما يعنيه انتماؤهم إلى لبنان الحبيب، وطن الأجداد والأباء، وقال: "أحيّيكم من القلب، وأنتم الذين تحملون في وجدانكم جذورًا ضاربة في أرض الأرز، وأجنحةً تمتدّ في سماء كندا الرحبة. أنتم لستم مجرّد جيلٍ مهاجر، بل أنتم رسالة حيّة، وجسرٌ بين وطنٍ تألم كثيرًا، ولا يزال، ووطنٍ منحكم الفرصة لتصنعوا مستقبلكم".
وأضاف: "أدعوكم أولًا إلى التمسّك بإيمانكم، لأنه البوصلة التي تحفظ مسيرتكم في عالمٍ سريع التغيّر. لا تدعوا الغربة تُضعف انتماءكم الروحي، بل اجعلوا من كنائسكم ومساحاتكم الكنسية مكان لقاء حيّ مع المسيح، الذي يرافقكم في كل خطوة. كما أدعوكم إلى الحفاظ على هويتكم اللبنانية، لا كحنينٍ إلى الماضي فحسب، بل كمسؤولية تجاه المستقبل. لغتكم، ثقافتكم، تقاليدكم، ليست تفاصيل عابرة، بل هي جزء من رسالتكم في هذا المجتمع المتعدد، حيث يمكنكم أن تكونوا شهودًا للقيم التي نشأتم عليها، وهي: المحبة، العائلة، التضامن، والانفتاح".
وختم: "أوصيكم ألاّ تنسوا وطنكم الأم، لبنان، الذي يحتاج إليكم اليوم أكثر من أي وقت مضى. قد لا تكونون فيه جسديًا، لكن حضوركم في دعائكم، وفي مبادراتكم، وفي نجاحاتكم، يشكّل دعمًا حقيقيًا له. كونوا سفراء له بأخلاقكم وعلمكم والتزامكم. وتعلقكم بتراث الأجداد والأباء وقديسي لبنان. أنتم رجاء الكنيسة، وأنتم طاقتها المتجددة. لا تخافوا من التحديات، بل واجهوها بإيمانٍ حيّ، وعقلٍ منفتح، وقلبٍ مفعم بالرجاء. المستقبل يُبنى بكم، ومن خلالكم. أرافقكم دائما بصلاتي وبركتي حيثما كنتم، وأطلب من الرب أن يحفظكم ويقود خطواتكم، لتكونوا نورًا العالم حيثما وجدتم، وملحًا لهذه الأرض".