في ظلّ حراكٍ دبلوماسي مكثّف تتجه الأنظار إلى إمكان دخول لبنان وإسرائيل في هدنة جديدة تمتد لـ45 يومًا، تقوم على وقفٍ متبادل لإطلاق النار واحتواء التصعيد الذي توسع ميدانيًا في الساعات الاربع والعشرين الماضية، غير أنّ ما يُبحث خلف الكواليس يتجاوز بكثير مسألة تثبيت تهدئة مؤقتة، إذ تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك والتوازنات الأمنية في لبنان، تحت ضغط الحرب من جهة، والحاجة اللبنانية الملحّة إلى وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي من جهة أخرى.
وبحسب المعطيات، فإن لبنان الرسمي طلب وقفًا شاملًا لإطلاق النار يتضمن وقف استهداف المدنيين والبنى التحتية، على أن يترافق ذلك مع انسحاب إسرائيلي تدريجي وتسليم الجيش كامل المسؤولية جنوب الليطاني. وتشير المعلومات إلى أنّ الطرح الذي جرى تداوله خلال الاتصالات الأخيرة يستند إلى نسخة مطوّرة من المقترح المصري السابق، والقائم على وقف فوري للنار، في مقابل
التزام متبادل من إسرائيل وحزب الله بخفض العمليات العسكرية، مع وضع خطة تنسيق داخلية بين الجيش و"
حزب الله " لحصر السلاح جنوب الليطاني في مرحلة أولى.
وفيما أبدت
واشنطن ، وفق مصادر رسمية لبنانية، تفهمًا واضحًا للموقف اللبناني ودعمًا لجهود تثبيت الهدنة، نقلت السلطة إلى "حزب الله"، عبر
رئيس مجلس النواب نبيه بري ، أن
إسرائيل أبلغت استعدادها للسير بوقف النار شرط التزام الحزب الكامل بوقف عملياته العسكرية. إلا أنّ جواب الحزب النهائي لم يُحسم بعد، خصوصًا في ظلّ استمرار الشكوك حيال مدى التزام إسرائيل بأي تفاهم طويل الأمد، أو احتمال استخدامها الهدنة لفرض شروط سياسية وأمنية جديدة، علما ان مصدرا سياسيا أشار إلى أن الرئيس
بري أبلغ المعنيين أن الحزب مستعد لوقف إطلاق النار إذا التزمت إسرائيل بذلك من دون أي خرق.
وتقول اوساط سياسية إن هذه المفاوضات تكتسب حساسية استثنائية لأنّ النقاش لم يعد محصورًا بوقف الحرب، بل بات يطال طبيعة الدور المطلوب من الجيش في المرحلة المقبلة وحدود العلاقة الأمنية التي تسعى إسرائيل والولايات المتحدة إلى تكريسها تحت عنوان "الترتيبات الأمنية".
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الاجتماع الأمني المرتقب في 29 أيار داخل
وزارة الدفاع الأميركية باعتباره محطة مفصلية، ليس فقط لتثبيت وقف النار، بل لتحديد شكل الأدوار الأمنية المقبلة، وحدود أي تنسيق أو التزامات قد تُفرض على لبنان في المرحلة التالية.
بالتوازي، تستعدّ جولات التفاوض المقررة في الثاني والثالث من حزيران، برئاسة السفير سيمون كرم، لفتح ملفات أكثر تعقيدًا تتصل بتثبيت الحدود البرية، والنقاط العالقة، وملف الأسرى، إضافة إلى البحث في الصيغة النهائية لأي تفاهم محتمل بين الطرفين. وهو ما يعزز الانطباع، بحسب هذه الاوساط بأنّ الهدنة المقترحة ليست مجرد إجراء ميداني مؤقت بل مدخل لمسار تفاوضي أوسع يتصل بمستقبل الجنوب اللبناني وترتيبات ما بعد الحرب.
وفي مقابل هذا المسار، أعلن "حزب الله" رفضه “أي إملاءات أو ضغوط أو وصايات أميركية” تمسّ بسيادة لبنان، وداعيًا الحكومة إلى وقف ما وصفه بـ"التنازل المجاني".
ويعكس هذا الموقف حجم التعقيد الداخلي الذي يرافق المفاوضات، إذ تحاول السلطة السير بين ضغوط الخارج والانقسامات الداخلية، خشية أن يتحول أي تفاهم أمني إلى مصدر توتر داخلي جديد، خصوصًا إذا بدا أنّ إسرائيل تسعى إلى ربط الانسحاب وإعادة الإعمار بمسار أمني طويل ومعقّد يفرض وقائع جديدة على الدولة اللبنانية.