في الظاهر، تبدو الأيام المقبلة في
لبنان مرتبطة فقط بإمكانية الوصول إلى وقف إطلاق نار شامل. لكن خلف هذا العنوان، تدور معركة من نوع آخر بالكامل: معركة على شكل الجنوب بعد الحرب، وعلى وظيفة الدولة
اللبنانية نفسها، وعلى الدور الذي يُراد للجيش أن يؤديه في مرحلة ما بعد النار.
الحديث المتصاعد عن تمديد التهدئة ليس تفصيلاً تقنياً مرتبطاً بخفض العمليات العسكرية، بل جزء من مسار سياسي ـ أمني أكبر بكثير، تقوده واشنطن بالتنسيق مع تل أبيب، عنوانه العريض: كيف يمكن تحويل نتائج الحرب إلى وقائع دائمة على الأرض اللبنانية.
الإجتماع الأمني في
وزارة الدفاع الأميركية نهاية أيار لا توحي بأن
الأميركيين يتحركون بوصفهم وسطاء لإطفاء الحرب فقط. النقاش المطروح يتجاوز وقف النار إلى ما بعده: تعزيز الألوية القتالية في الجيش اللبناني، آليات "التحقق المستقل"، إعادة تفعيل الميكانيزم، وحصر السلاح.
هذه ليست مفردات تهدئة مؤقتة.
هذه لغة إعادة هندسة المشهد الأمني جنوب الليطاني.
واشنطن تدرك أن
إسرائيل ، رغم حجم النار والدمار، لم تستطع إنتاج واقع سياسي جديد بالقوة العسكرية وحدها. لذلك يجري الانتقال الآن إلى مقاربة مختلفة: وقف نار مشروط، يترافق مع اختبار تدريجي لقدرة الدولة اللبنانية على الدخول في مسار ضبط السلاح ميدانياً، ولو تحت عناوين تقنية وأمنية.
هنا تحديداً يصبح وقف إطلاق النار أخطر من الحرب نفسها.
لأن المطلوب، عملياً، ليس فقط إسكات الجبهة، بل تحويل الجيش إلى القوة التي تتولى إدارة الفراغ الذي تريد إسرائيل أن ينشأ شمال الليطاني. وهذا ما يفسر التركيز الأميركي المتزايد على "تقوية الألوية القتالية"، باعتبارها جزءاً من إعادة بناء المؤسسة العسكرية وبوصفها رأس الحربة في أي ترتيبات مقبلة.
لكن العقدة لا تكمن فقط في الداخل اللبناني.
إسرائيل نفسها لا تبدو مستعجلة على إنهاء الحرب بشكل كامل. حتى الآن، لا توجد موافقة إسرائيلية نهائية على وقف شامل للنار، بينما يجري التداول بصيغة تقوم على خفض تدريجي للعمليات مقابل خطوات لبنانية ميدانية. أي أن تل أبيب تريد الاحتفاظ بحق الحركة العسكرية، ولو بوتيرة أقل، إلى حين اتضاح صورة المسار السياسي والأمني الذي تسعى إليه.
في هذا السياق، يبدو ما يُعرف بـ"إعلان النوايا" بين لبنان وإسرائيل أكثر حساسية مما يجري تقديمه إعلامياً. فحين يبدأ الحديث عن "خطوط حمراء" و"ما يريده كل طرف من الآخر"، فهذا يعني أن النقاش تجاوز مسألة وقف النار، ودخل في محاولة رسم قواعد اشتباك طويلة الأمد، قد تتحول لاحقاً إلى أرضية لترتيبات أوسع.
المشكلة أن كل هذا يجري فيما المنطقة نفسها لا تزال فوق صفيح مشتعل.
لا أحد يعرف كيف ستنتهي الحرب الإقليمية، ولا أين ستستقر التوازنات بعد انتهائها. ولذلك، فإن أي صيغة يجري دفع لبنان إليها اليوم قد تكون مجرد مرحلة انتقالية ضمن مشروع أكبر لإعادة ترتيب الجبهة الشمالية لإسرائيل وربطها بالتحولات الجارية في
سوريا وغزة وحتى في مسار التفاوض الأميركي ـ
الإيراني .
داخل لبنان، تبدو السلطة أمام اختبار غير مسبوق.
أي محاولة للدفع بالجيش نحو دور يتجاوز الانتشار التقليدي جنوباً ستضع البلاد أمام احتكاك داخلي بالغ الخطورة، خصوصاً إذا جرى التعامل مع ملف السلاح بوصفه بنداً تنفيذياً سريعاً تحت ضغط الحرب والدمار والانهيار الاقتصادي.
ولهذا السبب، لا تنظر قوى كثيرة في لبنان إلى الهدوء المرتقب بوصفه نهاية للخطر، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيداً.
فالحرب العسكرية، مهما كانت قاسية، تبقى واضحة المعالم.
أما ما يجري التحضير له الآن، فيتحرك في المنطقة الرمادية بين الأمن والسياسة والضغط الدولي وإعادة تشكيل موازين القوة داخل لبنان نفسه.
في المقابل،تتمسك الدولة، وفق المقاربة التي يقودها الرئيس جوزاف عون، بخمسة مطالب تعتبرها المدخل الإلزامي لأي تثبيت فعلي للتهدئة: وقف شامل لإطلاق النار، وقف استهداف المدنيين والبنى التحتية، انسحاب الجيش
الإسرائيلي من الأراضي التي تقدّم إليها خلال الحرب، عودة الأهالي إلى القرى الحدودية، وانتشار الجيش بشكل كامل بما يكرّس سلطة الدولة.
وتطرح
بيروت هذه البنود باعتبارها جزءاً من تطبيق متوازن لأي تفاهم، يقوم على التزامات متبادلة لا على فرض وقائع أحادية بالقوة العسكرية. فالدولة تحاول، من وجهة نظرها، منع تثبيت معادلة تسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية مقابل تحميل لبنان وحده مسؤولية تنفيذ الترتيبات الأمنية.
قد تهدأ الطائرات لبعض الوقت، لكن ما يُرسم في الغرف المغلقة يبدو أبعد بكثير من مجرد وقف إطلاق نار.