في الشهر المريمي، لا يبدو أيار في
لبنان شهرًا عاديًا من شهور السنة، بل يتحوّل إلى مساحة روحية خاصة تتقدّم فيها صورة مريم العذراء بوصفها رمزًا للحنان، والسكينة، والرجاء.
في هذا الوقت تحديدًا، تتجدّد الزيارات إلى المزارات المريمية، وتعلو الصلوات والتراتيل في البيوت والكنائس وعلى التلال التي ارتبطت عبر الزمن بالإيمان الشعبي. ومن بين هذه الأماكن، تبقى
حريصا في موقعٍ فريد، كإحدى أهم
المحطات التي يقصدها القلب قبل أن يقصدها الجسد.
على تلةٍ عالية تطلّ على خليج جونيه، تقف سيدة لبنان في حريصا كأنها ذراعان مفتوحتان على البحر والبلاد والناس. ليس هذا المعلم مجرد تمثال ضخم، بل هو قصة إيمان طويلة بدأت منذ أكثر من قرن، حين تولدت الفكرة لدى الكنيسة
المارونية بتكريس لبنان للعذراء مريم، في زمنٍ كان المؤمنون فيه يبحثون عن علامة رجاء جامعة تتجاوز الجغرافيا والظروف.
ومن هنا، بدأت رحلة إنشاء هذا الصرح الذي تحوّل شيئًا فشيئًا إلى أحد أبرز الرموز
الدينية في لبنان.
في سنة 1904، وُضع التمثال الأبيض الكبير على قمة الجبل، بعد أن صُنع من البرونز في
فرنسا وجُمعت أجزاؤه بعناية قبل نقله إلى لبنان. وقد اختير له هذا الموقع العالي ليكون مرئيًا من بعيد، فيطلّ على البحر والمدينة والقرى المحيطة، وكأنه يربط الأرض بالسماء، والإنسان بالنعمة، والوجع بالسلام.
يبلغ ارتفاع التمثال أكثر من ثمانية أمتار، ويقف على قاعدة حجرية عالية تمنحه هيبته ووضوح حضوره، فيما تفتح العذراء ذراعيها في مشهد يختصر معنى الاحتضان الروحي لكل من يصل إلى هناك.
وبالتوازي مع التمثال، شُيّدت في الأسفل
كنيسة صغيرة لتكون المكان الأول الذي تُرفع فيه الصلاة، ثم تطوّر المزار لاحقًا ليصبح مجمّعًا دينيًا متكاملًا يضم كنيسة أكبر.
ومع مرور السنوات، لم يعد الموقع مجرد مقصد محلي، بل صار محطة حجّ مقصودة من مختلف المناطق
اللبنانية ، ومن خارج لبنان أيضًا، لما يحمله من رمزية دينية ومن طابع روحي هادئ .
ومع حلول الشهر المريمي، تتبدّل حريصا تمامًا. الأزقة المؤدية إلى المزار تمتلئ بالزائرين، والوجوه التي تصعد إلى القمة تحمل في ملامحها شيئًا من التضرع وشيئًا من الشكر وشيئًا من الرجاء.
بعضهم يأتي ليشعل شمعة، وبعضهم ليصلّي بصمت، وبعضهم حاملاً نذرًا أو أمنية أو وجعًا شخصيًا يبحث عن فسحة نور.
وهناك من يصعدون مشيًا على الأقدام، في رحلةٍ روحية تختلط فيها المشقة بالإيمان، وكأن كل خطوة
على الطريق هي صلاة إضافية تُقدَّم على نية السلام أو الشفاء أو الفرج.
في هذا الشهر، لا تكتفي حريصا بأن تكون معلمًا دينيًا، بل تتحوّل إلى حالة وجدانية كاملة. في الساحة، تتداخل أصوات التراتيل مع همسات الزائرين، وتنتشر الأضواء والشموع في مشهد يفيض بالسكينة.
ومن يقف هناك، أمام التمثال أو بالقرب من الكنيسة، يشعر أن المكان ليس فقط مطلًّا على لبنان، بل مطلٌّ أيضًا على قلوب الناس وهمومهم وأحلامهم.
لذلك، لا غرابة أن يبقى هذا المزار حاضرًا بقوة في الوجدان اللبناني، خصوصًا في أيار، حين يعود الناس إلى سيدة حريصا كما يعود المرء إلى مكان يعرف أنه سيمنحه شيئًا من الطمأنينة.
ولعلّ أجمل ما في قصة حريصا أنها جمعت بين العمق الديني والبعد الإنساني. فهي ليست فقط مزارًا للمؤمنين، بل مساحة رجاء مفتوحة لكل من يبحث عن لحظة صفاء وسط التعب اليومي.
ومع كل شهر مريمي جديد، يتأكد من جديد أن هذا الصرح لم يُبنَ فقط من الحجر، بل من المحبة والإيمان والذاكرة، وأنه بقي، على امتداد السنين، واحدًا من أكثر المعالم قدرةً على
التعبير عن علاقة جميع اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم، بمريم العذراء، وبالرجاء الذي يمثّلونه فيها.