آخر الأخبار

رئيس الجمهورية يمشي بين الألغام السياسية على رؤوس الأصابع

شارك
يختلف اللبنانيون على تعدّد انتماءاتهم السياسية على توصيف ذهاب لبنان الرسمي إلى مفاوضاته المباشرة مع إسرائيل . بعض الذين يؤيدون هذه الخطوة يعتبرونها متقدمة، شكلًا ومضمونًا، على رغم أنهم يأخذون على رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تريثه في حسم الأمور. أمّا الذين يعارضون فكرة المفاوضات المباشرة فينقسمون إلى قسمين: الأول يعارض أي شكل من أشكال التفاوض بالمطلق ما لم يكن لدى لبنان من أوراق قوة تمكّنه من فرض شروطه. أمّا القسم الآخر فلا مشكلة له بأن يكون التفاوض غير مباشر، وذلك تماشيًا مع قانون مقاطعة إسرائيل، الذي يمنع أي اتصال بالعدو.
وبين المؤيد إلى آخر حدود التأييد وبين معارض بالكامل ونصف معارض تقف الرئاسة اللبنانية في المكان الذي يعتبره بعض العارفين والمطلعين أنه الأصحّ والأكثر ضمانة للحاضر والمستقبل. فما يُرى من فوق قد لا يُرى بالعين المجرّدة من تحت. وما لدى الرئاسة الأولى من معطيات سياسية قد لا تتوافر لمن ليس له اطلاع كافٍ على ما "يُطبخ" في الكواليس الديبلوماسية الدولية والإقليمية.
وما يصفه بعض أصحاب النوايا المشكّكة بـ "التردّد" يعيده بعض الحريصين على الاّ تأتي النتائج عكس ما تشتهيه السفن إلى ما يسمّونه "حرصًا رئاسيًا" على ألاّ يشوب أي خطوة تفاوضية أي عيب من شأنه أن يؤثّر في أي شكل من الأشكال على الوحدة الداخلية، ولو بحدودها الدنيا. وهذا الحرص هو ذاته، الذي سبق أن دفع كل من الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل إلى التمسّك بلبنان الـ 10452 كلم مربعًا، والرئيس الشيخ أمين الجميل إلى رفض توقيع اتفاق 17 أيار قبل 44 سنة من الآن.
فما يراه من يكون على رأس المسؤولية الأولى مغاير لما يمكن أن يراه أي سياسي غير متوافرة له الإحاطة الكاملة للمعطيات الداخلية والخارجية.
وفي هذا السياق، تشير أوساط ديبلوماسية إلى أن المقاربة التي يعتمدها رئيس الجمهورية لا تنطلق فقط من حسابات داخلية، بل من قراءة دقيقة لموازين القوى الإقليمية والدولية، والتي لا تزال في طور التشكل. فالتسرّع في الذهاب إلى خيارات غير مدروسة قد يضع لبنان في موقع تفاوضي ضعيف، فيما التريّث المدروس قد يتيح له الاستفادة من أي تبدّل محتمل في هذه الموازين.
فالمفاوضات، على ما تقول هذه الأوساط، ليست مجرّد قرار سياسي يُتخذ في لحظة معينة، بل هي مسار معقّد يتطلب تهيئة داخلية، وضمانات خارجية، وتوقيتًا دقيقًا يراعي تقاطعات المصالح بين القوى المؤثرة في الملف اللبناني. ومن هنا، فإن ما يبدو للبعض "تأخيرًا" قد يكون في الواقع محاولة لشراء الوقت الإيجابي، في انتظار نضوج ظروف أفضل.
وفي المعطيات المتوافرة، أن واشنطن ، وإن كانت تدفع في اتجاه تسريع وتيرة التفاوض، إلا أنها في الوقت نفسه تدرك حساسية الوضع الداخلي اللبناني، ولا تبدو مستعدة لفرض إيقاع متسرّع قد يؤدي إلى نتائج عكسية. في المقابل، فإن العواصم العربية المعنية، وفي مقدمها الرياض والقاهرة، تميل إلى دعم مقاربة تدريجية، تقوم على تثبيت وقف إطلاق النار أولًا، ومن ثم الانتقال إلى بحث الملفات الأكثر تعقيدًا، وفي طليعتها مسألة الحدود والسلاح.
أما على الضفة الأخرى، فإن موقف " حزب الله " لا يزال يشكّل عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الأمور. فالحزب، الذي يرفض مبدأ التفاوض المباشر، يربط أي نقاش في هذا الإطار بسياق أوسع يتصل بطبيعة الصراع مع إسرائيل وبالمعادلة الإقليمية التي ينتمي إليها. وهذا ما يجعل من أي خطوة لبنانية رسمية في هذا الاتجاه محكومة بضرورة الأخذ في الاعتبار ردود فعل هذا المكوّن الأساسي في المعادلة الداخلية.
وفي ظل هذا التداخل بين العوامل الداخلية والخارجية، يبدو أن الرئاسة الأولى تحاول السير بين الألغام، من دون الوقوع في فخ الاستعجال أو الاستسلام لضغوط متناقضة. فهي من جهة تدرك الحاجة إلى الخروج من حالة الحرب المفتوحة وما تخلّفه من كلفة بشرية واقتصادية، ومن جهة أخرى تحرص على ألاّ يأتي أي اتفاق على حساب ثوابت تعتبرها جزءًا من المصلحة الوطنية العليا.
وفي قراءة أوسع، فإن لبنان يقف اليوم أمام اختبار دقيق، ليس فقط في ما يتعلق بخيار التفاوض، بل في قدرته على إعادة تعريف موقعه في الإقليم. فهل يكون جزءًا من مسار تسويات قادمة، أم يبقى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين؟
قد لا يكون الخلاف على شكل التفاوض هو جوهر الأزمة، بقدر ما هو انعكاس لانقسام أعمق حول هوية لبنان وخياراته الاستراتيجية. وبين هذا الانقسام وذاك، يبقى الرهان على أن تنجح القيادة السياسية في إدارة هذه المرحلة بحكمة، بحيث لا يتحوّل الاختلاف إلى صدام، ولا التفاوض إلى انقسام جديد، في بلد لم يعد يحتمل المزيد من المغامرات غير المحسوبة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا