عيَّدنا الأربعاء الفائت لما نسمِّيه في الليتورجيا «انتصاف العيد». وهو اليوم الخامس والعشرون من الفصح قبل العنصرة، أي الَّذي يقع في النصف تمامًا، ويربط بالتالي بين قيامة الربِّ يسوع المسيح وحلول الروح القدس على التلاميذ. نقرأ فيه من إنجيل يوحنَّا الإصحاح السابع عند « انتصاف العيد» (14-30) والمقصود عيد «المظالِّ»، الَّذي يستذكر فيه اليهود إقامة بني إسرائيل في الصحراء بعد خروجهم من مصر، حيث عاش الشعب هناك في أكواخ مؤقَّتة مصنوعة من الأغصان، ومن هنا أتت تسمية العيد بالعبريَّة Sukkot. كذلك هو عيد زراعيٌّ يتعلَّق بالشكر على الحصاد والثمار والخيرات في نهاية الموسم لأنَّه يأتي في شهرَي أيلول - تشرين بتقويمنا .
كان اليهود يصنعون في العيد مظلَّات (أكواخًا صغيرة - عروشًا) يزيِّنونها بالنباتات والثمار ويحتفلون فيها. خدمة العيد اليهوديَّة الليتورجيَّة هي خدمة استباقيَّة لما سيتمِّمه الربُّ يسوع المسيح لاحقًا بنفسه، وهنا يأتي الارتباط المسيحيُّ المكمِّل للعيد. نقرأ في الآية الأولى: «ولمَّا كان العيد قد انتصف، صعد يسوع إلى الهيكل، وكان يعلِّم». يشرح الإنجيل أنَّ اليهود تعجَّبوا كيف أنَّ يسوع يعرف الكتب وهو لم يتعلَّم، أي لم يتعلَّم عندهم. لقد غفل عنهم أمران مهمَّان، الأوَّل دخول يسوع إلى الهيكل عندما كان صغيرًا بعمر الاثنتي عشرة مدهشًا الكتبة والفرِّيسيِّين بمعرفته للكتب (لوقا 2: 46). الأمر الثاني أنَّ يسوع هو الربُّ الإله المتجسِّد.
صحيح أنَّ عيد المظالِّ اليهوديَّ كان يقع في تاريخ مغاير، إلَّا أنَّ القصد المسيحيَّ أعطاه عمقًا جوهريًّا بدءًا بأنَّ يسوع هو المعلِّم. وثانيًا ارتباط ترنيمة العيد المسيحيَّة (الطروباريَّة) بما قاله يسوع في العيد: «إنْ عطش أحد فليُقبِلْ إليَّ ويشرب» (يوحنَّا 7: 37). تقول الترنيمة: «في انتصاف العيد اسقِ نفسي العطشى، من مياه العبادة الحسنة أيُّها المخلِّص. لأنَّك هتفتَ نحو الكلِّ قائلًا: مَنْ كان عطشانًا فليأِت إليَّ ويشرب. فيا ينبوع الحياة أيُّها المسيح الإله المجدُ لك».
لكي نفهم بالعمق ما قصد به يسوع يجب الإطِّلاع على ما كان يجري من طقس يهوديٍّ في العيد الَّذي كان يمتدُّ لأسبوع كامل، ويعود يتبعه نهار ثامن له معنى كبير جدًّا. هو كان يأتي بعد خمسة أيَّام من عيد الغفران، والأخير هو أقدس يوم في السنة عند اليهود، ويُسمَّى بالعبريَّة: (Yom Kippur) أي «يوم التكفير أو الغفران» حيث كان يدخل رئيس الكهنة اليهوديُّ مرَّة واحدة في السنة إلى قدس الأقداس الَّذي هو أقدس مكان في الهيكل. يدخله بعد عمليَّة صلاة وتطهير وتقديم ذبائح تكفيرًا عن خطاياه وخطايا الكهنة والشعب. في المقابل المسيحيَّة تقول إنَّ التكفير الحقيقيَّ قام به يسوع على الصليب ، وشقَّ الحجاب بين قدس الأقداس والقدس، وألغيت المسافات وباتت السماء مفتوحة لجميع طالبيها.
بالعودة إلى عيد المظالِّ، كان هناك طقس يهوديٌّ يخرج فيه كاهن في الصباح من الهيكل بموكب احتفاليٍّ إلى بركة سلوام حاملًا إناءً ذهبيًّا ليملأه ماء من البركة. للبركة أهمِّيَّة تاريخيَّة ودينيَّة. فقد قام قديمًا الملك حزقيَّا أثناء الحصار الأشوريِّ لأورشليم (701 قبل الميلاد) بنقل المياه من نبع جدعون إلى أورشليم بواسطة نفق حفره، وكانت المياه تتجمَّع ببركة سلوام. كذلك كان الحجَّاج القاصدون الهيكل يغتسلون ويتطهَّرون فيها.
الطريق من البركة إلى الهيكل هي صعود بفارق حوالي 100 متر، فالبركة تقع في الوادي الجنوبيِّ المنخفض (بارتفاع 630–650م) بينما جبل الهيكل هو على ارتفاع حوالي 740–750 م. كان اليهود يشعرون بأنَّهم صاعدون إلى بيت الله بعد الاغتسال، فأتت عبارة الصعود إلى الهيكل.
الماء الَّذي كان يأتي به الكاهن من البركة إلى الهيكل بالهتاف وصوت الأبواق وتسابيح من سفر إشعياء النبيِّ مثلًا «فتستقون مياهًا بفرح من ينابيع الخلاص» (إشعياء 12: 3)، كان استذكارًا للمطر وماء الشرب الَّذي هو بمثابة ماء الحياة، وأيضًا مرتبط بحادثتي خروج المياه من الصخرة مع موسى . ولا بدَّ من التأكيد هنا أنَّ الصخرة كانت المسيح: «وجميعهم شربوا شرابًا واحدًا روحيًّا، لأنَّهم كانوا يشربون من صخرة روحيَّة تابعَتِهِمْ، والصخرة كانت المسيح» (1 كورنثوس 10: 4).
وعندما يصل الكاهن إلى الهيكل يبدأ طقس «سكب الماء» مع الخمر على المذبح مع الصلوات. ألا نشعر كأنَّنا باستباق أمام الذبيحة الَّتي تمَّمها الربُّ على الصليب خاصَّة بخروج دم وماء من جنبه المطعون؟
كانت عمليَّة طقس سكب الماء تتكرَّر سبعة أيَّام وتتوقَّف في اليوم الثامن الَّذي يدعى «اليوم الأخير العظيم» من العيد، وتكون صلواته مختلفة عمَّا سبق. وفي هذا اليوم تحديدًا وقف يسوع داعيًا الناس أن يأتوا إليه ليشربوا: "وفي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلًا: «إنْ عطش أحد فليُقبِلْ إليَّ ويشرب»" وأتبع: «مَن آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماء حيٍّ» (يوحنا 7: 37-38).
ويشرح الإنجيليُّ يوحنَّا كاتبًا: «قال (الربُّ) هذا عن الروح الَّذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه، لأنَّ الروح القدس لم يكن قد أُعطيَ بعد، لأنَّ يسوع لم يكن قد مُجِّدَ بعد» أي لم يصلب بعد (يوحنَّا 7: 39).
في الخلاصة، اليوم الثامن من عيد المظالِّ يوم مقدَّس ومستقلٌّ ويُسمَّى «الاجتماع الاحتفاليَّ»، هو صورة مسبقة عن اليوم الثامن الملكوتيِّ الَّذي افتتحه المسيح بقيامته وأقامنا معه خليقة جديدة، لهذا يدعى أيضًا اليوم الأوَّل.
إلى الربِّ نطلب.
المصدر:
النشرة