من الواضح أن الاصطفاف السياسي بين القوى
اللبنانية لم يعد مجرّد تموضع تقليدي ضمن الانقسامات المعروفة، بل بدأ يأخذ طابعاً أكثر جذرية وعمقاً، يلامس بنية النظام نفسه ويطرح أسئلة جدية حول شكله ومستقبله.
هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث ترتبط الساحة اللبنانية بشكل مباشر بمآلات المواجهات الدائرة في المنطقة.
لن يبلغ الاشتباك السياسي الداخلي ذروته إلا بعد انتهاء الحروب أو اتضاح نتائجها. لذلك، يبدو أن ما يجري اليوم هو مرحلة انتظار مشوبة بالتوتر، حيث تسعى مختلف الأطراف إلى تثبيت مواقعها بانتظار جولة جديدة من المعارك، تعتبرها بعض القوى ضرورية لفرض توازنات جديدة تفتح الباب أمام تسوية شاملة في المنطقة.
بهذا المعنى، يصبح التصعيد المؤجل جزءاً من لعبة أكبر، تتجاوز الداخل اللبناني إلى حسابات إقليمية ودولية.
لكن اللافت في المرحلة الراهنة أن الخلاف لم يعد يقتصر على السياسات اليومية أو توزيع الحصص، بل تمدد ليشمل جوهر المبادئ التي قام عليها الكيان اللبناني.
النقاش اليوم يطال مفاهيم أساسية مثل موقع
لبنان في الصراع مع
إسرائيل ، وطبيعة علاقاته الخارجية، وحتى الأسس التي قام عليها الميثاق الوطني.
هذا التوسع في دائرة الخلاف يعكس حجم التحولات العميقة التي تضرب التوازنات التقليدية.
في هذا الإطار، يشعر “
الثنائي الشيعي” بأن هناك محاولة للمساس بثوابت يعتبرها أساسية، سواء لجهة موقع لبنان في الصراع الإقليمي أو لجهة التوازنات الداخلية التي أرساها النظام.
من وجهة نظره، فإن أي تغيير في هذه المعادلات قد يؤدي إلى إعادة صياغة هوية لبنان السياسية، وهو ما يفسر ارتفاع منسوب القلق والتشدد في مواقفه.
في المقابل، ترى قوى أخرى أن المرحلة تفرض إعادة نظر شاملة في الخيارات التقليدية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والانهيار المالي، ما يدفعها إلى طرح مقاربات مختلفة للعلاقات الخارجية ولأولويات الدولة.
هذا التباين الحاد بين الرؤى يعمّق الانقسام ويجعل من الصعب الوصول إلى أرضية مشتركة في المدى القريب. في كل الأحوال، يبدو أن حجم “الكباش” في المرحلة المقبلة سيكون العامل الحاسم في تحديد مدى تضرر النظام اللبناني. فإما أن تنجح
القوى السياسية في احتواء خلافاتها ضمن أطر قابلة للإدارة، أو أن تنزلق البلاد نحو اهتزاز أعمق في بنيتها السياسية.
ولعل إدراك خطورة هذا المسار هو ما دفع
المملكة العربية السعودية إلى تسريع حراكها، عبر خطوات تهدف إلى تهدئة الأوضاع الداخلية ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد يصعب احتواؤها لاحقاً.