آخر الأخبار

هل انكسرت الجرّة بين بعبدا وحارة حريك؟

شارك
بعيدًا عن السجال القائم في البلد بين من يؤيد المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل وبين من يعارض هذه الصفة، التي يعتبرها المعترضون مخالفة صريحة للدستور والأعراف، فإن ما هو أكيد حتى الآن أن العلاقة بين " بعبدا " و"حارة حريك" لن تكون كما كانت من قبل. وتعترف أوساط قريبة من دوائر القصر الجمهوري بأنه لو اتخذ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الموقف الذي اتخذه بالأمس القريب من موضوع حرب الاسناد بنسختيها المتتاليتين، في اليوم الأول، الذي تلا خطاب القسم لما كان وصل وضع لبنان إلى ما وصل إليه اليوم مع هذا الكمّ الهائل من الخسائر البشرية والمادية، ولما كان لبنان الرسمي مضطّرًا لمفاوضة الدولة التي تحتل 55 بلدة وقرية جنوبية، وتسيطر بالنار على كامل المنطقة الجنوبية الواقعة جنوب نهر الليطاني.
إلاّ أن أوساطًا أخرى ترى أنه لم يكن أمام الرئيس عون سوى اللجوء إلى الحوار الهادئ والعقلاني مع قيادة " حزب الله " باعتبار أنه يمثّل شريحة واسعة من الطائفة الشيعية، وله حضور نيابي ووزاري. إلاّ أن إصرار "حارة حريك" على أخذ البلد إلى سلسلة من المغامرات من دون إعطاء علم وخبر بما كانت تخطّط له على مدى سنة وثلاثة أشهر، ومنذ اليوم الأول الذي تلا إعلان وقف إطلاق النار الأول في 27 تشرين الثاني من العام 2024، دفع برئاسة الجمهورية إلى قطع العلاقة الحوارية، التي كانت قائمة بين "بعبدا" و"حارة حريك"، وذلك اقتناعًا منها بأن "حزب الله" كان يحاول كسب الوقت والمراهنة الدائمة على معطيات خارجية. ومما زاد قناعة "بعبدا" إقدام "حزب الله" على جرّ لبنان مرّة جديدة إلى حرب اسناد ثانية كانت كلفتها عالية جدّا، بغض النظر عمّا يمكن أن ينتج عن هذه المغامرة غير المحسوبة النتائج من تداعيات اقتصادية على بلد منهار ويعاني.
وفي اعتقاد الأوساط نفسها، فإن ما حصل أخيرًا لم يعد مجرّد تباين في وجهات النظر بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله"، بل تحوّل إلى افتراق سياسي عميق في مقاربة مفهوم الدولة ودورها وحدود قرار الحرب والسلم. فـ"بعبدا" باتت تنظر إلى ما جرى على أنه تجاوز مباشر للدولة ومؤسساتها، ومحاولة لفرض وقائع ميدانية وسياسية من خارج منطق الشراكة الوطنية، فيما تعتبر "حارة حريك" أن ما قامت به يدخل في إطار "الدفاع الاستراتيجي" عن لبنان ومحور المقاومة .
هذا التباعد مرشّح، وفق مصادر سياسية متابعة، لأن يزداد اتساعًا في الأيام المقبلة، خصوصًا مع دخول ملف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل مرحلة أكثر حساسية، ومع تزايد الضغوط الدولية والعربية على لبنان لحسم موقفه من جملة ملفات، في مقدمها سلاح "حزب الله" ومستقبل انتشاره جنوب الليطاني. فالرئيس عون، الذي يحرص حتى الآن على اعتماد خطاب متوازن وتجنّب الذهاب إلى مواجهة داخلية مفتوحة، يبدو مقتنعًا أكثر من أي وقت مضى بأن إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة تمرّ أولًا عبر تثبيت حصرية القرار الأمني والعسكري بيد الشرعية اللبنانية .
وفي المقابل، لا تبدو "حارة حريك" في وارد تقديم أي تنازل جوهري في هذا الملف، بل على العكس، توحي مواقف قياداتها، وآخرها خطاب الشيخ نعيم قاسم ، بأنها تتجه نحو مزيد من التشدد السياسي والإعلامي، ورفع سقف المواجهة مع كل من يحاول تحميل "المقاومة" مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. وهذا ما يفسّر التصعيد الكلامي الأخير تجاه السلطة، واعتبار بعض القرارات الرسمية "تنازلات مجانية" أو "خضوعًا للإملاءات الأميركية".
وترى أوساط مطلعة أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من البرودة في العلاقة بين الجانبين، وربما انتقالها من مرحلة "إدارة الخلاف" إلى مرحلة "تنظيم الاشتباك السياسي"، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انفجارًا داخليًا شاملًا. فثمة إدراك متبادل، في "بعبدا" و"حارة حريك" على حد سواء، بأن أي انزلاق إلى مواجهة مفتوحة ستكون له تداعيات خطيرة على الاستقرار الداخلي، في ظل الانهيار الاقتصادي والتوترات الأمنية المحيطة بلبنان.
لكن في المقابل، فإن استمرار هذا التناقض من دون إيجاد أرضية مشتركة سيجعل الحكم في موقع شديد الحساسية، بين ضغوط الخارج المطالب بإجراءات واضحة وحاسمة، وضغوط الداخل الرافض لأي مقاربة تُفهم على أنها استهداف لطائفة بكاملها أو محاولة لعزلها سياسيًا. وهذا ما يفسّر الحذر الشديد الذي تتعامل به الرئاسة مع هذا الملف، على رغم ارتفاع منسوب القناعة داخل دوائر القرار بأن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون كما قبلها.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الأيام المقبلة مفتوحة على أكثر من احتمال: إما نجاح الوساطات والاتصالات في إعادة فتح قنوات التواصل بين "بعبدا" و"حارة حريك" تحت عنوان حماية الاستقرار ومنع الانفجار الداخلي، وإما استمرار القطيعة السياسية بصمت، في انتظار ما ستفرضه التطورات الإقليمية ومسار المفاوضات الجارية في الخارج. وفي الحالتين، فإن الثابت الوحيد حتى الآن هو أن العلاقة بين الطرفين دخلت مرحلة جديدة، عنوانها انعدام الثقة، بعد سنوات طويلة من التفاهمات الضمنية والتقاطعات المرحلية.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا