على وقع التصعيد المتسارع في المنطقة، يتقدّم سؤال محوري حول مسار المشروع
الإسرائيلي وقدرته على الاستمرار بالوتيرة نفسها، إذ تكشف الوقائع الميدانية والسياسية عن تعثّر واضح في مسار التمدّد، بعدما كان يتقدّم بمرونة أكبر، قبل أن يصطدم بواقع أكثر تعقيداً وأقل قابلية للاختراق، ما يفرض إيقاعاً مختلفاً ويحدّ من القدرة على التوسّع، من دون أن يعني ذلك نهاية هذا المسار بقدر ما يعكس انتقاله إلى مرحلة تُعاد فيها الحسابات وتُفرض عليه قيود لم تكن قائمة سابقاً.
هذا التحوّل لا يرتبط فقط بالوقائع الميدانية، بل يكشف طبيعة المسار الذي اعتمده المشروع الإسرائيلي في التمدّد، إذ لم يستند إلى نمط واحد ثابت، بل تنقّل بين استخدام القوة المباشرة ومحاولات تفكيك الدول المحيطة من الداخل لإعادة تشكيلها بما يخدم تقدّمه،ومع كل تعثّر عسكري يتّجه نحو أدوات الضغط السياسي لفرض نفوذه، وعندما تتداخل هذه المسارات وتفقد فعاليتها يلجأ إلى التهدئة كوسيلة لإعادة ترتيب أولوياته واستعادة القدرة على التحرّك. لذلك لا يمكن التعامل مع أي تراجع في وتيرة التمدّد على أنه نهاية، بل يندرج ضمن إعادة تموضع تحكمها موازين القوى المستجدّة.
هذا المشهد نتج عن تداخل مستويات متعددة من المواجهة، حيث أعادت
المقاومة في
لبنان فرض حضورها كجبهة ضغط مباشرة وكرّست معادلة استنزاف تُقيّد حركة
إسرائيل ، فبدل أن ينجح العدو في احتواء لبنان أو فرض مسار سياسي يخدمه، واجه واقعاً ميدانياً يفرض إيقاعاً مختلفاً ويمنع تحقيق حسم سريع. ومع هذا التطور، تراجعت قدرة المشروع على إخضاع محيطه بالكامل، سواء بالقوة أو عبر أدوات النفوذ، بعدما فقدت هذه الأدوات فاعليتها أمام معادلة ميدانية مختلفة.
بالتوازي مع ذلك، اتّسع نطاق الضغط، إذ لم تعد المواجهة محصورة ضمن جغرافيا ضيّقة، بل امتدّت إلى مفاصل حسّاسة في بنية النظام الدولي مع دخول العامل الاقتصادي على خطّ الاشتباك عبر التلويح بممرّات الطاقة وحركة التجارة وما يرافقها من تداعيات، الأمر الذي رفع مستوى المواجهة إلى حدّ يتجاوز قدرة إسرائيل على ضبطه منفردة، ويضع حليفها الأميركي أمام تبعات مباشرة مرتبطة بمسار الحرب. وعند هذه النقطة تبرز حدود هذا المسار بشكل أوضح، بحيث لم يعد بالإمكان إدارة الحرب بمعزل عن انعكاساتها الكبرى.
إلى جانب ذلك، يتراجع التماسك داخل المعسكر
الغربي الداعم لإسرائيل، إذ تسجّل مواقف عدد من الدول الأوروبية تبايناً متزايداً في التعاطي مع مسار الحرب من دون أن يصل هذا التباين إلى حدّ الانفصال الكامل، لكنه يضيّق هامش الإجماع الذي اعتمدت عليه "تل أبيب". ومع استمرار هذا التباين يتراكم ضغط سياسي يقيّد الاستمرار في النهج نفسه ويحدّ من القدرة على المضيّ فيه بالوتيرة ذاتها.
ضمن هذا السياق، يتقدّم نقاش يتصل بطبيعة الكيان الاسرائيلي وآلية عمله، إذ يقوم على فرض تفوّق مستمر يدفعه إلى توسيع نفوذه وفرض وقائع متلاحقة. غير أنّ التجارب السابقة تُظهر أنّ هذا النمط لا يتراجع تحت ضغط المواقف أو الخطابات، بل عندما يواجه مستوى من المواجهة يفرض عليه قيوداً واضحة ويحدّ من قدرته على التقدّم. وما يجري اليوم يندرج في هذا الإطار، حيث تفرض المواجهة حدوداً لاستخدام القوة وتعيد رسم سقفها من دون أن تغيّر مسار الصراع بشكل نهائي.
بالتوازي مع ذلك، تتداخل العلاقة بين "تل أبيب" وواشنطن بشكل يعكس تشابك القرار بين الجانبين، إذ يتأثر القرار الأميركي بضغوط داخلية تشمل حسابات الانتخابات، توازنات الكونغرس، ونفوذ اللوبيات الداعمة لإسرائيل، كما ينعكس هذا التأثير على طريقة إدارة التفاوض مع
إيران ، حيث تتداخل أولويات
واشنطن المرتبطة بالملف
النووي مع الاعتبارات
الإسرائيلية التي تدفع نحو تشديد الضغط وعدم تقديم تنازلات، ما يبطئ مسار التفاوض ويقيّد خيارات التصعيد في آن معاً. ومع استمرار هذا التشابك يتحوّل عامل الوقت إلى عنصر ضغط يفرض إيقاعاً مختلفاً على مجريات المواجهة.
في هذا المشهد، يتقدّم مسار التفاوض بين واشنطن وطهران كعنصر يكشف حجم الإرباك داخل الإدارة الأميركية، إذ أظهرت المواجهة فجوة واضحة بين التقديرات التي جرى الترويج لها، حول إمكان حسم سريع وواقع ميداني مختلف فرضته قدرة
إيران على الصمود وتثبيت معادلة مواجهة أكثر تعقيداً، ما انعكس تردّداً في القرار الأميركي وتباطؤاً في حسم الخيارات بين التصعيد أو الذهاب نحو تسويات محدودة. وفي ظل هذا التعقيد، يتعرّض مشروع التمدّد الاسرائيلي لضغط فعلي يحدّ من اندفاعه السابق، حيث جرى كبح توسّعه وإجباره على التراجع خطوة، من دون أن يعني ذلك سقوطه، بل إدخاله في مرحلة جديدة تحكمها توازنات أكثر تشابكاً وتفرض مساراً مختلفاً في المرحلة المقبلة.