آخر الأخبار

هدنة الأسابيع الثلاثة… هدنة جنوبية أم مهلة لواشنطن وطهران؟

شارك
مَن استمع إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث، بعد الجولة الثانية من المفاوضات اللبنانيةالإسرائيلية في "البيت الأبيض"، أراد أن يصدّق كل كلمة قيلت في ما خصّ إنهاء الوضع الشاذ والمتفجّر على الساحة الجنوبية بفعل مواصلة إسرائيل استهدافها ما تبقّى قائمًا في قرى الحافة الأمامية الـ 55، والتي باتت تُعرف بمنطقة "الخطّ الأصفر". فإذا كان المقصود بتمديد فترة الهدنة ثلاثة أسابيع بأن الوضع المتفجّر سيبقى على حاله، فإن كل كلام عن السلام بين لبنان وإسرائيل لن يُترجم على أرض الجنوب ما دامت إسرائيل تجيز لجيشها قصف أي هدف تشّك بأنه معقل لـ " حزب الله ". وما دامت إسرائيل مصرّة على تنفيذ سياسة تدمير ونسف ما تبقّى من منازل ومؤسسات ومستشفيات ومدارس ودور عبادة في قرى "الحافة الأمامية"، وما دام "الحزب" مصمّمًا على الاحتفاظ بسلاحه، الذي اعتبرته الحكومة في جلسة 2 آذار "غير شرعي" بما لهذه الكلمة من مفهوم حصري؛ وهذا ما أشار إليه بيان اتفاق وقف إطلاق النار بنسختيه الأولى والثانية، فإن أي كلام عن فترة هدوء ممدّد سيبقى من دون ترجمة فعلية، وسيظل السيف الإسرائيلي مصلتًا على رقاب اللبنانيين، وبالأخص على رقاب "البيئة الحاضنة" لـ "الحزب"، وسينتشر "السلاح غير الشرعي" حيثما يجب أن يكون، على حدّ ما يصرّح به قادته السياسيون، وفي مقدمهم الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، وذلك خلافًا لقرار الحكومة بإعلان بيروت الإدارية منزوعة السلاح، أيًّا كان حامله، وأيًّا كان نوعه وهدفه.
وفي موازاة هذا المشهد المتناقض بين خطاب سياسي يُبشّر بالتهدئة وواقع ميداني يزداد اشتعالًا، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام تجربة مكرّرة لا تبعث على الاطمئنان. فكل الهدن السابقة، التي قُدّمت على أنها مدخل إلى الاستقرار، سرعان ما تحوّلت إلى محطات لالتقاط الأنفاس قبل جولات جديدة من التصعيد.
من هنا، لا يبدو أن تمديد الهدنة، بأي صيغة أتى، كافٍ لإقناع اللبنانيين بأنهم أمام فرصة حقيقية للهدوء. بل على العكس، فإن تجارب الماضي تجعلهم أكثر حذرًا، وأكثر ميلًا إلى الشك بكل ما يُقال عن تفاهمات مرحلية لا تلبث أن تنهار عند أول اختبار ميداني. وقد باتوا، بفعل تراكم الخيبات، لا يسلّمون بسهولة بأي وعود، ولا يثقون بأي ضمانات لا تُترجم فعلًا على الأرض.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال التالي مشروعًا: هل نحن أمام هدنة فعلية تمهّد لمسار سياسي واضح، أم أمام إدارة مؤقتة للصراع تُبقي النار تحت الرماد في انتظار لحظة الانفجار؟ فالمؤشرات الميدانية، حتى الآن، لا توحي بأن هناك قرارًا حاسمًا بوقف التصعيد، بل على العكس، توحي بأن ما يجري هو إعادة تموضع ضمن قواعد اشتباك جديدة، قد تكون أكثر خطورة وأقل قابلية للضبط.
وعليه، فإن الرهان على الوقت وحده لن يكون كافيًا لإنتاج استقرار حقيقي، ما لم تترافق هذه الهدنة مع خطوات جدية تعالج جذور الأزمة، وليس مظاهرها فقط. وإلى أن يحصل ذلك، سيبقى الجنوب رهينة معادلة هشة تتراوح بين هدنة على الورق، وتوتر دائم في الميدان، وشعبٌ أنهكته الحروب، ولم يعد يملك ترف تصديق الوعود.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هدنة الأسابيع الثلاثة التي أعلن عنها الرئيس ترامب عن المسار التفاوضي غير المعلن بين واشنطن وطهران، والذي يجري "من تحت الطاولة" على وقع التهديدات المتبادلة. فلبنان، كما في محطات سابقة، يبدو مرة جديدة ساحة اختبار أو صندوق بريد لتبادل الرسائل، حيث يُضبط إيقاع الميدان وفق ما تقتضيه حسابات أكبر من حدوده.
وعليه، قد لا تكون هذه الهدنة سوى جزء من مهلة تفاوضية غير مباشرة، تُمنح للطرفين لقياس النيات وتحديد سقوف المواجهة، لا أكثر. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مصير الجنوب لن يُحسم في بيروت ولا حتى في واشنطن، بل في مكان آخر تُرسم فيه خرائط النفوذ وتُحدَّد فيه قواعد الاشتباك الكبرى.
فبين هدنة مشروطة ومفاوضات غامضة، يبقى لبنان في موقع المتلقّي، يدفع كلفة صراعات الآخرين على أرضه، من دون أن يكون شريكًا فعليًا في صناعة القرار، وذلك في انتظار ما ستؤول إليه لعبة الأمم فوق طاولةٍ لا يملك اللبنانيون مقعدًا عليه، حتى ولو جلس إلى طاولة مفاوضات مباشرة بعدما نجح رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في سحب ورقة التفاوض من الجهة الإيرانية، رافضًا أن يفاوض أحد باسم لبنان وعنه. وهذا الموقف يذكرّنا بموقف آخر اتخذه الرئيس نجيب ميقاتي يوم كان على رأس حكومة تصريف الأعمال ردًّا على رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، فشدّد على فكرة سيادة لبنان واستقلالية قراره، وتأكيده أن العلاقات مع أي دولة، بما فيها إيران ، يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشأن اللبناني الداخلي، مع رفضه أي خطاب يُفهم منه أنه وصاية أو تدخل في القرار الداخلي اللبناني والتمسك بأن الحكومة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة إدارة السياسة العامة للدولة. وفي التذكير أكثر من عبرة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا