عندما زار قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر
لبنان في كانون الأول الماضي لم يحمل معه سوى السلام إلى وطن وصفه بـ "الاعجوبة". وهذا السلام، الذي بشّر به رئيس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، ليس كالسلام الذي يمكن أن يعطيه العالم. أمّا غيره الذين أدّعوا بأنهم من "صانعي السلام"، فلم يجلبوا إلى العالم سوى الحروب والموت والدمار والانهيارات الاقتصادية والفقر والمجاعة والتشريد.
ليس من السهل إجراء مقارنة بين "رجل السلام الأبيض" وغيره من حكّام هذا العالم. هم ينتمون إلى عالمين مختلفين إلى حدّ التناقض. فالبابا، بوصفه مرجعية روحية عالمية، يتحدث بلغة السلام والرحمة، وغيره يمثّلون نموذجًا سياسيًا قائمًا على منطق القوة والمصالح. ومع ذلك، فإن جمعهم في مشهد واحد في هذا العالم المضطرب يفتح الباب أمام مقارنة تختصرها عبارة واحدة، وهي " الفرق ما بين الثريا والثرى"، أي الفرق ما بين نجوم السماء العالية و التراب الأرضي، في إشارة إلى فرقٍ شاسع لا يُقاس ولا يُقارن، بل يكاد يختصر المسافة بين عالمين متباعدين في الجوهر والمكانة والرؤية. وبالتعبير اللبناني يُقال "شو جاب لجاب".
فالبابا لا يقود جيوشًا، ولا يفرض عقوبات، ولا يوقّع صفقات تسلّح، لكنه يمتلك ما هو أقوى في كثير من الأحيان. يملك الكلمة. كلمة تواسي، تدعو إلى الحوار، وتذكّر العالم بأن الإنسان يجب أن يبقى في صلب أي معادلة سياسية أو عسكرية. في خطاباته، لا مكان للغة الغلبة، بل لنداءات الضمير، حيث تتحوّل السياسة إلى أخلاق، والصراع إلى فرصة للمصالحة.
في المقابل، يتحدث الآخرون بلغة مختلفة تمامًا. لغة الأرقام، والصفقات، وموازين القوى. في قاموسهم، تُقاس الدول بما تملكه من نفوذ، وتُدار العلاقات بمنطق الربح والخسارة. لا مكان كبير للعواطف في هذا النهج، بل لحسابات دقيقة تحدد من يربح ومن يخسر، ومن يتقدم ومن يتراجع.
بين هذين النموذجين، يقف العالم حائرًا. فهل تُدار الأزمات الكبرى بلغة الأخلاق أم بلغة القوة، هل يمكن للكلمة أن توقف حربًا، أم أن الحروب لا تنتهي إلا عندما تفرض موازين القوى نهاياتها؟
في منطقة مثل
الشرق الأوسط ، من بينها بالطبع لبنان، حيث تختلط الدماء بالمصالح، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا. فالدعوات إلى السلام، مهما علت، تصطدم بوقائع ميدانية لا ترحم. وفي المقابل، فإن سياسات القوة، مهما بدت حاسمة، غالبًا ما تترك وراءها ندوبًا عميقة لا تُمحى بسهولة.
لكن الحقيقة التي قد لا يرغب كثيرون في الاعتراف بها، هي أن العالم يحتاج إلى الاثنين معًا: إلى صوت يذكّر بالإنسان، وصوت يدير المصالح. غير أن الخلل يبدأ عندما يختفي أحدهما بالكامل، فيتحول العالم إما إلى ساحة صراع بلا ضوابط، وإمّا إلى خطاب مثالي بلا قدرة على التغيير.
في النهاية، قد لا تكون المقارنة بين البابا والآخرين من حكّام هذا الزمن، الذي وصفه البطريرك صفير قبل رحيله بأنه "زمن رديء"، مجرد مفارقة أدبية، بل مرآة لواقع دولي يعيش انقسامًا عميقًا بين ما يجب أن يكون عليه هذا الواقع وما بين ما هو قائم بالفعل. وهكذا، تبقى المسافة بينهما قائمة بين من يرفع صوته من أجل الإنسان، ومن يرفع صوته من أجل المصلحة الشخصية، حيث تحلّ الأنانية والكبرياء والرياء مكان
الرحمة والشعور الإنساني، الذي يغيب عندما تتقدّم هذه المصالح وتصبح أولوية الأولويات.
ولأن قداسة البابا لا يقول سوى الحقيقة من دون محاباة، ومن دون أن يلبس قفازات مخملية، يصبح هدفًا مباشرًا لحملات كثيرين ممن يتعبهم صوت الضمير.
يكفي أن يتطلع المرء إلى المشاهد المحزنة عن الدمار الذي لحق بمدينة
بنت جبيل ليتأكد أن ما بين ما يدعو إليه الحبر الأعظم، ممثّل المسيح على الأرض، وما بين ما يدعو إليه الآخرون، فرقًا شاسعًا لا يمكن قياسه بما لا تُقاس به الأشياء السطحية عندما يتعلق الأمر بكرامة الانسان إلى أي دين أو طائفة أو عرق انتمى، وأيًا يكن لونه أو تموضعه السياسي والايديولوجي.
فالبابا الذي زار لبنان لم يكتفِ بأن كان، ولا يزال رسول سلام، انما شدّد خلال لقاءاته السياسية والروحية على أهمية توحيد كلمة اللبنانيين لكي يستطيعوا أن يواجهوا معًا ما لا يمكن مواجهته إذا تفرّقوا، محذرًا من خطورة السلاح غير الشرعي، وما يمكن أن يؤدّي إليه من كوارث. وقد يكون قد تنبأ، بإلهام رباني، بما سيلحق بلبنان من كوارث نتيجة ردود الفعل على هذا السلاح، وما يمكن أن يكون عليه الوضع عندما تتداخل أصابع الشّر المتأتي من استخدام لبنان ورقة للمساومة على "طاولة الكبار".