آخر الأخبار

نازلين عالركام... حكاية العودة التي لا تشبه غيرها في جنوب لبنان

شارك
لا يشبه مشهد العودة في الجنوب اللبناني أي مشهد نزوح وعودة عرفه العالم. فعادة ما يعود المهجّرون إلى بيوتهم ليفتحوا أبوابها، ينفضوا الغبار عن الأثاث، ويشعلوا الموقد لتحضير فنجان القهوة الأول بعد غياب. أما هنا، فالمشهد مختلف تماماً، عائلات كاملة تعود إلى كومة حجارة، تبحث بين الركام عن "سند البيت" لتزرع إلى جانبه خيمة، وتعلن بكل بساطة: "وصلنا".

مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تحولت الطرقات المؤدية إلى القرى الحدودية إلى ما يشبه نهراً بشرياً. سيارات محملة بالفرش والأغطية، دراجات نارية تسبق العائلات لتتفقد الطريق، وشاحنات صغيرة تحمل ما تيسر جمعه من بقايا حياة. الجميع يسأل السؤال نفسه: "شو بقى من البيت؟" والجميع يعرف الإجابة مسبقاً، لكنه يريد أن يراها بعينيه.

في بلدة دير الزهراني ، التي شهدت على بطش الاسرائيلي، التقينا الحاج أبو خليل (٦٧ عاماً)، وهو يقف أمام ما تبقى من منزله المهدّم. ثلاث طبقات تحولت إلى تل من الإسمنت المطحون وقضبان الحديد الملتوية. وقف طويلاً صامتاً، ثم انحنى والتقط حجراً صغيراً من الركام، قلّبه بين يديه كأنه جوهرة ثمينة، وقال بصوت هادئ تخالطه غصة: "هيدي مش حجار ، هيدي ذاكرة. كل زاوية بهالبيت إلها حكاية. هون كنا نتسامر بالشتا، وهونيك كان الوالد يفرش سجادة الصلاة. الأرض بتعرف ولادها، ونحنا منعرف أرضنا".

يسأله أحد أقربائه عن جدوى نصب خيمة فوق الركام، فيجيبه بحسم: "بدنا نبقى حد الأرض. إذا رحنا بعيد، بيضيع الحق. هيدي أرض اجدادنا، وفيها دم شبابنا. الخيمة مش بس سقف، الخيمة عنوان. يعني نحنا راجعين ومش تاركين".

هذا التعلق الأسطوري بالأرض ليس جديداً على أبناء الجنوب، لكنه يتجلى في أوقات المحن بشكل يكاد يكون عصياً على الفهم في منطق المدن الحديثة. فالأرض هنا ليست مجرد عقار أو مساحة جغرافية، إنها هوية متجسدة. هي شجرة الزيتون التي غرسها الجد الأكبر قبل مئة وخمسين عاماً، هي عتبة الدار التي تآكلت من وقع أقدام الأبناء، هي رائحة التراب بعد أول مطر تشريني، هي الحكايات التي تروى عن "أيام العز" قبل أن تصبح القرية ساحة لصواريخ إسرائيل . يروي أبو خليل وهو يحاول إزاحة قطعة إسمنت عن مدخل البيت: "مرتي قالتلي شو بدنا بالخيمة هلق؟ قلتلها بدنا نبقى حد الجار وبالحارة. هي بلدتنا، إذا تركناها بتصير غريبة. المهم نبقى فوق التراب، ولو تحت قماشة. الجدران بتنبنى من جديد، بس الأرض ما بتتعوض".

المشهد لا يقتصر على دير الزهراني ، بل يتكرر في ميس الجبل ، كفركلا، حولا، وعشرات القرى الحدودية. عائلات تنصب الخيام حرفياً فوق أنقاض منازلها، وكأنها تبعث رسالة مزدوجة: الأولى للداخل أننا باقون، والثانية للخارج أن هذه الأرض لن تخلو من أهلها مهما بلغ الثمن.

إنها ليست مجرد عودة إلى قرية، إنها عودة إلى الذات، إلى الجذر، إلى ما تبقى من معنى للانتماء في زمن تتساقط فيه المعاني. أبناء الجنوب لا يحتاجون إلى جدران ليثبتوا وجودهم، يكفيهم متر من التراب وخيمة تواجه الريح، ليقولوا للعالم أجمع: "نحن هنا".
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا