آخر الأخبار

العدوان الاسرائيلي يغذي مشاريع التفكيك والخيارات التقسيمية

شارك
كتب سام منسى في" الشرق الاوسط": بدأت الحرب في لبنان تأخذ منحى أكثرَ خطورة مع توسيع إسرائيل استهدافها لمناطق خارج بيئة «حزب الله» بذريعة ملاحقة عناصره، وما يخلّفه ذلك من آثار سياسية ونفسية في مجتمع هش أصلاً. فالنقاش في لبنان لم يعد يدور في أسباب هذا الاستهداف، بل في طريقة تلقيه داخلياً، وما تكشفه من خلل عميق في قراءة ما يجري.

في كل مرة تُقصف منطقة ذات غالبية مسيحية ، يرتفع منسوب التفاعل السياسي والإعلامي بشكل لافت. وهذا مفهوم جزئياً، نظراً للحساسية المفرطة والخوف المشروع من الانكشاف الأمني. لكنه يتحوَّل أحياناً إلى مبالغة، تُخرج الحدث من سياقه الوطني، وتقدمه كأنه استهداف خاص وممنهج لطائفة بعينها، بمعزل عما يجري في بقية المناطق. ويترافق ذلك مع سردية توحي بأنَّ أهالي القرى المسيحية الحدودية وحدهم يتمسَّكون بأرضهم، مقابل تصوير غير دقيق للآخرين وكأنهم غادروها طوعاً، متجاهلة أنه فُرض عليهم النزوح تحت ضغط عسكري مباشر وطلبات إخلاء.

في المقابل، عندما تتعرض مناطق أخرى، لا سيما سنية خارج بيئة «حزب الله» ومعارضة له، لضربات مماثلة ويسقط فيها مدنيون، لا نشهد مستوى رد الفعل نفسه، لا سياسياً ولا إعلامياً. تمر هذه الضربات غالباً بصمت نسبي، كأنها أقل خطورة أو دلالة. هذا التفاوت، حتى إن لم يكن مقصوداً، يُنتج سرديات متوازية ويُضعف الإحساس بالمصير المشترك ويفتح الباب أمام قراءات طائفية للأحداث.

التطور الأخير، المتمثل في «الأربعاء الأسود»، الأسبوع الفائت، الذي لم تتضح دوافعه، لا يبدّل هذه الإشكالية بقدر ما يفضحها. فالضربات التي طالت أحياء سكنية في بيروت خارج نطاق سيطرة «حزب الله»، وأوقعت مجزرة بشرية ومادية، تؤكد أن الاستهداف لم يعد محصوراً ببيئة بعينها. ومع ذلك، لم يؤد هذا الاتساع إلى توحيد ردود الفعل، بل بقيت القراءات مجتزأة، تُفسر من زوايا فئوية ضيقة.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: ليس فقط في طبيعة الضربات، بل في طريقة استقبالها. فبدلاً من أن يقود اتساع الاستهداف إلى إدراك أن الخطر تعمم، يستمر التعامل معه كأنه تهديد متمايز، يُقاس وفق هوية المنطقة المستهدفة لا وفق طبيعة الحدث نفسه.

الخطورة في هذا المسار ليست أخلاقية فحسب، بل سياسية أيضاً. فإسرائيل لا تحتاج إلى إعلان نية لتفكيك المجتمع اللبناني إذا كان هذا المجتمع يتولى بنفسه إنتاج قراءات متباينة للحدث الواحد. يكفي أن تُضرب مناطق متفرقة، ويُترك الداخل ليتفاعل معها بشكل انتقائي، حتى تتحول الحرب إلى عملية تفكيك تدريجي من الداخل. في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن هذا الواقع يخدم أيضاً «حزب الله»، الذي ضحى بلبنان لمصلحة إيران . فكلما تعمق الشرخ بين اللبنانيين وتكرست مشاعر الخوف وعدم الثقة، تراجعت فكرة الدولة الجامعة وتعززت الحاجة إلى قوى أمر واقع. وهنا تلتقي مصلحة إسرائيل في تعميم الاستهداف مع مصلحة الحزب في إبقاء الدولة ضعيفة وعاجزة.

الإشكالية ليست في التنديد بضربة هنا أو هناك، بل في الانتقائية في هذا التنديد. ليست القضية أن ما تتعرض له المناطق المسيحية غير مهم، بل إن عزله عن معاناة بقية المناطق يحوله، من دون قصد، إلى جزء من المشكلة. فتجاهل ما تتعرض له المناطق السنية أو حتى مناطق بيئة الحزب لا يقل خطورة عن تضخيم ما تتعرض له مناطق أخرى.

الدولة تبقى الإطار الوحيد القادر على جمع اللبنانيين، لأن شللها يفتح المجال أمام قوى داخلية وخارجية لملء الفراغ بما يغذي مشاريع التفكيك، من فرض إسرائيل لوقائع جديدة في الجنوب إلى ترسيخ ازدواجية السلطة من قبل «حزب الله»، وصولاً إلى طرح خيارات تقسيمية أو فيدرالية انتحارية.

ماذا تنتظر السلطة لمواجهة لعبة التفكيك الجارية بعدم تحويل الضربات إلى مادة للفرز الطائفي، وإقفال الطريق أمام استكمال ما بدأه الآخرون بتفكيك الدولة والمجتمع من الداخل.
فحين يصبح الخطر يهدد الكيان، من غير المسموح مواجهته بسرديات مختلفة. الضحايا ليسوا طوائف بل مواطنون، وحماية أي منطقة لا تكون بعزلها بل بربط مصيرها بمصير باقي المناطق. عندها فقط يمكن كسر الحلقة التي تجعل من كل ضربة عسكرية خطوة إضافية نحو تفكك الداخل، بدل أن تكون حافزاً لاستعادة ما تبقى من معنى الدولة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا