آخر الأخبار

لبنان إلى طاولة المفاوضات: واشنطن وسيط أم طرف؟

شارك
قبول السلطة اللبنانية الذهاب إلى تفاوض مباشر مع العدو الاسرائيلي برعاية الولايات المتحدة يفتح بابًا جوهريًا للتساؤل: «هل تُعدّ واشنطن وسيطًا نزيهًا فعلًا، أم طرفًا سياسيًا وعسكريًا منخرطًا في الحرب على لبنان ؟».

في هذا السياق كتب خليل رعد في" الاخبار": بمعزلٍ عن موقفنا من طريقة تعاطي هذه السلطة مع العدوان، وعن اختيارها مسار التفاوض المباشر مع العدو في ضربٍ للثوابت الوطنية، فإن هذا السؤال لا يُطرح بوصفه موقفًا سياسيًا، بل باعتباره إشكالية نظرية تناولتها أدبيات التفاوض والوساطة منذ عقود، كما تؤكدها تجارب تاريخية متعددة ومتراكمة.

أما المثال الأقرب، فهو ما جرى في لبنان نفسه عام 2024، حين رعت الولايات المتحدة وضمنت اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان والكيان الإسرائيلي ، والذي تشكّلت بموجبه «لجنة الميكانيزم» برئاسة أميركية لمراقبة تنفيذ الاتفاق. غير أن الوقائع اللاحقة أظهرت تنصّل العدو من التزاماته، رغم التزام الجانب اللبناني الكامل ببنود الاتفاق، فيما تحولت اللجنة إلى إطار يُستخدم في إدارة الضغوط وتوجيه المطالب نحو الجانب اللبناني. وفي السياق ذاته، تنصّل «الضامن» الأميركي من أي ضمان، بل جرى تسويق موقف أميركي مفاده أن الاتفاق لم يعد قابلاً للإنفاذ على «إسرائيل»، وأن إلزامها بما لا تريده أمر غير واقعي، ما فتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد يقوم على مزيد من التنازلات من الطرف اللبناني دون ضمانات مقابلة.

وفي ظل عدوان واسع، وتوغّل بري ، وضربات يومية متواصلة، يصبح قبول الولايات المتحدة مجددًا كوسيط، لا سيما في ظل قيادتها المباشرة للحرب في الإقليم، بمثابة انقلاب في منطق الوساطة ذاته. فالدولة التي تمدّ الطرف الآخر بالسلاح، وتوفر له الغطاء السياسي، وتتبنى سرديته في تبرير «حق الدفاع عن النفس»، لا يمكنها أن تكون في الوقت نفسه ضامنًا محايدًا لأمن الطرف الذي يتعرض للاعتداء. عند هذه النقطة، لا يعود التفاوض أداة لإنهاء الحرب، بل يتحول إلى امتداد لها بوسائل سياسية، ومحاولة لإعادة إنتاج نتائجها في إطار دبلوماسي.

ولا يكمن الخطر فقط في انحياز الوسيط، بل في تحوّل الوساطة نفسها إلى شكل من أشكال الوصاية السياسية. ففي هذه الحالة، يجد الطرف الأضعف نفسه داخل مسار تفاوضي تُحدَّد معالمه مسبقًا، وتُرسم أولوياته خارج إرادته، وتُفرض عليه ضغوط متراكمة، بينما يُعاد تعريف مصالحه ضمن سقف لا يعكس ميزان القوى الحقيقي. وهكذا، لا يعود الطرف دولة تفاوض على مصالحها، بل موضوعًا يُدار ضمن عملية تفاوضية أكبر منه.

وتتفق التجارب التاريخية والنظريات السياسية في هذا السياق على خلاصة أساسية مفادها أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تحقيق مصالح وطنية حيوية عبر وسيط هو في الوقت نفسه شريك في بنية الصراع. وعليه، فإن قبول السلطة اللبنانية بهذا المسار التفاوضي برعاية الولايات المتحدة لا يعني الخروج من دائرة الحرب، بل يعني نقلها من ساحة المواجهة المباشرة إلى طاولة التفاوض بشروط غير متكافئة، بما يضعف الموقف التفاوضي بدل أن يعززه.

وفي الصراعات غير المتكافئة، لا تؤدي الوساطة المنحازة إلى وقف النار بقدر ما تعيد توزيع أدواته سياسيًا. وأي دولة تقبل بهذا الواقع تجد نفسها تفاوض من موقع ضغط لا من موقع سيادة، خصوصًا عندما يتزامن ذلك مع وجود مسارات إقليمية أوسع كان من الممكن أن تمنحها هامشًا تفاوضيًا أفضل، لكنها جرى تعطيلها أو رفضها لصالح مسار بديل أكثر هشاشة وتعقيدًا داخليًا.
وفي بلد كلبنان، حيث تكون كلفة الخيارات السياسية مضاعفة على الطرف الأضعف، يصبح السؤال أكثر من مشروع:

هل اختارت السلطة وسيطًا حقيقيًا ومسارًا تفاوضيًا متوازنًا، أم اختارت خصمًا يتقدم بصفة وسيط، ومسارًا تفاوضيًا يحمل في بنيته اختلالًا بنيويًا قد ينعكس على تماسك الدولة والنسيج الوطني معًا؟
وكتب المحامي رفيق غريزي في" نداء الوطن": إن الصمت أو الشعارات العالية في زمن التحولات الكبرى (مثل مفاوضات إسلام آباد 2026) قد تُفهم "رفضاً" يؤدي إلى تدمير ما تبقى من الكيان.

يعرف كل من جوزيف عون ونواف سلام تماما أن لبنان ليس "إمبراطورية يابانية" قادرة على الصمود، كما يظن بعض الأذرع التافهين من أصحاب الانتصارات الوهمية، بل هو "زجاجة عطر" وسط حلبة صراع ثيران.

لذا، كان الانتقال من "الصمت القاتل" إلى "التفاوض الشجاع" هو الذي حمى بيروت من مصير يشبه هيروشيما اقتصادية أو عسكرية.

التاريخ يعلمنا أن القوي لا يفاوض ليعطيك حقك، بل ليرسم حدود تنازلك. وفي لبنان، كان القرار هو التنازل "للواقع" من أجل الحفاظ على "الوجود". ولو كان طلال سلمان يكتب اليوم، لقال: "إن بيروت التي كانت تذوب في قضايا الآخرين، قررت أخيراً أن تذوب في حب نفسها، أن تكون هي القضية". ولو كتب غسان تويني لخطّ بيده "لقد انتقلنا من لبنان الساحة إلى لبنان الدولة؛ حيث القرار في بعبدا والسرايا، لا في أروقة فنادق إسلام آباد".

إن بناء الدولة يا بنيّ، يتطلب جرأة في تحطيم الأصنام الفكرية. لقد كان قرار فصل المسار هو "الثورة البيضاء" الحقيقية. إننا لا نعادي أحدًا، ولكننا نرفض أن نكون قرابين على مذبح "توازن القوى" العالمي. إن التفاوض اللبناني اليوم هو فعل إيمان بالبقاء، هو صرخة في وجه العدم، وتأكيد على أن "الأرزة" أصلب من أن تُكسر في مهب الرياح العاتية بين واشنطن وطهران.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا