كثيرة هي المرّات التي حاولت فيها
إسرائيل إحداث فتنة بين اللبنانيين خلال الحرب، وخصوصاً بين النازحين الشيعة والمسيحيين. ولعلّ آخر مُحاولة كانت إستهداف شقة في منطقة عين سعادة المتنيّة، في المشروع المارونيّ، واستشهاد قياديّ في حزب "القوّات اللبنانيّة" وزوجته، ما زاد الحذر المسيحيّ من اللاجئين من القرى الشيعيّة الجنوبيّة، ودفعهم إلى التشّدد أكثر في عدم تأجير منازلهم وممتلكاتهم، خوفاً من إنتقال الحرب إلى مناطقهم، بعدما أعلن رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، أنّ وقف إطلاق النار مع
إيران لا يشمل
لبنان ، وفي ظلّ إستمرار الجيش الإسرائيليّ في عمليات القصف والإغتيالات.
وقبل إستهداف الشقة في عين سعادة، سقط صاروخٌ إسرائيليّ الأسبوع الماضي أيضاً في منطقة المنصوريّة، وقبلها، تمّ إعتراض مقذوف إيرانيّ فوق كسروان، كذلك، لوّحت إسرائيل في مناسبات عديدة إلى إستغلال عناصر "
حزب الله " القرى المسيحيّة الحدوديّة، لتنفيذ هجمات على المستوطنات والمدن الإسرائيليّة، واتّهمت "الحزب" بوقوفه وراء حادثة القليعة، التي استشهد فيها الأب بيار الراعي، على الرغم من أنّها كانت المسؤولة عن قصف البلدة الجنوبيّة المسيحيّة.
وقبل إستهداف عين سعادة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ إسرائيل تُركّز على أنّ "حزب الله" يستغلّ الكنائس في مناطق الجنوب، إضافة إلى المقدسات المسيحيّة، لتنفيذ أعمال عسكريّة ضدّ المستوطنات والقوّات الإسرائيليّة المتوغّلة، في أهداف باتت واضحة، وهي خلق فتنة بين
المسيحيين والشيعة، وخصوصاً لمعرفتها الممتازة بالوضع السياسيّ اللبنانيّ، وبمُعارضة الشارع المسيحيّ إسناد "الحزب" لإيران، وقبلها، بفتح جبهة الجنوب لمُساعدة حركة "
حماس ".
وكما هو واضحٌ، تعمل إسرائيل من جهّة على عزل النازحين الشيعة والتضييق عليهم في أماكن نزوحهم، وخصوصاً في
بيروت والمناطق المسيحيّة والدرزيّة، لدفعهم إمّا إلى مُغادرة لبنان تماماً كما حدث في العام 2024، عندما انتقلت الكثير من العائلات الشيعيّة إلى
سوريا والعراق، هرباً من الحرب، أو إلى زيادة النقمة في الشارع الشيعيّ على "حزب الله"، كيّ يُوقف حربه ويقوم بتسليم سلاحه.
وبعد وقف إطلاق النار بين الولايات المتّحدة وإيران، سارعت إسرائيل إلى إبلاغ المواطنين الجنوبيين بعدم الرجوع إلى بلداتهم، لأنّ الأعمال العسكريّة لم تنتهِ في لبنان، في إشارة واضحة إلى عدم رغبة تل أبيب في الوقت الراهن، بالسماح بعودة أهالي الجنوب إلى قراهم بهدف إعمارها، إنّ لم يتمّ نزع سلاح "حزب الله" بالكامل.
ولا بدّ من التذكير أنّ القوى المسيحيّة هي رأس الحربة في الحكومة وعهد رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون، في المُطالبة بحصر السلاح. ويُعتبر أيّ إستهداف لمناطق المسيحيين، كما حصل في بعبدا والحازمية والمنصوريّة، وأخيراً في عين سعادة، دافعاً لها لزيادة ضغوطها داخل
مجلس الوزراء ، للدفع في خطّة الجيش الرامية إلى نزع سلاح "حزب الله" وكافة الفصائل اللبنانيّة والفلسطينيّة.
وحتّى الآن، وعلى الرغم من تقدّم قوّاتها في بلدات جنوبيّة، وفي العمق اللبنانيّ، فإنّ إسرائيل غير قادرة بعمليتها البريّة على نزع سلاح "حزب الله"، وهي لا تزال تُطالب الحكومة اللبنانيّة والجيش في العمل على تطبيق التعهدات أمام الخارج، وحصر قرار الحرب والسلم في يدّ الدولة، وإنهاء دور "الحزب" العسكريّ، لهذا، لم تُوقف حربها في لبنان، على الرغم من أنّ بنود وقف إطلاق النار مع إيران، شملت إنهاء الأعمال العسكريّة مع كافة أذرع طهران في المنطقة.
ويبقى تأجيج الصراع الداخليّ المتمثّل بإحداث فتنة بين اللبنانيين، أو زيادة وتيرة إستهداف مناطق غير شيعيّة، من أهداف إسرائيل لدفع الحكومة إلى اتّخاذ قرار فعليّ وتطبيقيّ تجاه سلاح "حزب الله"، بعد الفشل في هذه المهمّة منذ وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، وفتح "الحزب" من جديد جبهة الجنوب.