آخر الأخبار

حين يتحوّل الحوار إلى استسلام مُقنّع

شارك
كتب كريم حداد في" الاخبار": لعلّ من أخطر الأوهام التي تُسوّق في الخطاب السياسي المعاصر هو تصوير التفاوض بوصفه نقيضاً للمقاومة. هذا التقابل زائف في أساسه، لأن التفاوض الفعّال يفترض وجود مقاومة، ولو بأشكال متعدّدة. المقاومة ليست فقط عسكرية، بل يمكن أن تكون اقتصادية، أو اجتماعية، أو ثقافية، أو حتى رمزية. لكنها، في جميع الأحوال، هي ما يمنح التفاوض وزنه ومعناه. من دونها، يصبح التفاوض مجرّد طلبٍ للرحمة ضمن شروط يضعها الطرف الأقوى. إن التفاوض الحقيقي لا يبدأ عند الطاولة، بل قبلها بكثير. يبدأ في بناء القوة، وفي إدارة الصراع بطريقة تفرض على الطرف الآخر الاعتراف بك كفاعل لا يمكن تجاوزه. وعندما تصل إلى الطاولة، فإنك لا تبدأ من الصفر، بل تحمل معك ما راكمته من قدرة وتأثير. أمّا إذا جئت بلا رصيد، فإنك تدخل في عملية تفاوضية تكون نتيجتها محدّدة سلفاً، مهما بدا النقاش مفتوحاً. في النهاية، لا يمكن اختزال التفاوض في كونه خياراً أخلاقياً مقابل «العنف». هذا تبسيط يُخفي الحقيقة الأساسية: التفاوض نفسه يمكن أن يكون عنيفاً بطريقته الخاصة، لأنه يعيد توزيع القوة ويحدّد مصائر الشعوب. لذلك فإن السؤال ليس: هل نتفاوض أم لا؟ بل: من أي موقع نتفاوض؟ وبأي أدوات؟ ولأي غاية؟
التفاوض، إذاً، ليس بديلاً عن المقاومة، بل هو أحد أشكالها حين تبلغ مرحلة معينة من النضج. أمّا التفاوض من دون مقاومة، فليس سوى استسلام بلغة مُهذّبة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا