كتب داوود رمال في" نداء الوطن": البعد الأكثر استراتيجية في كلمة رئيس الجمهورية جوزاف من الصرح البطريركي في بكركي في صبيحة عيد الفصح يتمثل في مقاربة الحرب نفسها. فهنا، يذهب رئيس الجمهورية إلى أبعد من الإدانة التقليدية للاعتداءات، ليطرح سؤال الخيارات بشكل مباشر: بين الاستمرار في الحرب أو الذهاب إلى التفاوض. هذا الطرح، وإن بدا بديهيًا من زاوية كلفة الحرب، إلا أنه يحمل في الواقع بعدًا سياسياً عميقًا، إذ يعيد إدخال مفهوم الدبلوماسية إلى صلب النقاش الوطني، ليس كخيار تكتيكي، بل كخيار سيادي.
اللافت في هذا السياق هو محاولة تفكيك الخطاب الذي يربط التفاوض بالتنازل، واستبداله بمقاربة تعتبره أداة لحماية ما تبقى من الدولة. وهذا التحول يعكس، وفق مصادر دبلوماسية في
بيروت ، "توجهًا متناميًا لدى دوائر القرار
اللبنانية لإعادة التموضع ضمن شبكة العلاقات الدولية، والاستفادة من الاتصالات القائمة للحد من تداعيات الحرب، بدلًا من الانخراط في مسارات تصعيدية مفتوحة".
كما إن الإشارة إلى كلفة الحرب بالأرقام، من ضحايا ودمار ونزوح، هي جزء من بناء حجة سياسية متكاملة ضد خيار الاستمرار في المواجهة المفتوحة. وهنا، يتقاطع الخطاب مع مقاربات دولية تدفع باتجاه احتواء التصعيد في
لبنان ، ومنع تحوله إلى ساحة مشابهة لنماذج أكثر تدميرًا في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تحمل مواقف عون رسالة ضمنية تتعلق برفض ربط لبنان بمسارات إقليمية لا تخدم مصلحته، وهو ما ينسجم مع توجهات دولية تدعو إلى تحييد الساحة اللبنانية قدر الإمكان. هذه النقطة تحديدًا تعكس محاولة لإعادة تعريف موقع لبنان في المعادلة الإقليمية، من ساحة اشتباك إلى ساحة تفاوض.
لذلك؛ يمكن قراءة مواقف رئيس الجمهورية من بكركي كإعلان عن إعادة إنتاج دور الرئاسة كمرجعية جامعة، في لحظة تآكل الثقة بالمؤسسات. فالرهان على السلم الأهلي، والدفاع عن الجيش، وإدارة ملف
النازحين ، والدفع باتجاه الدبلوماسية، تشكل مجتمعة ملامح مقاربة متكاملة لإدارة الأزمة، قائمة على تقليل الخسائر بدل مراكمة الانتصارات الوهمية.
والأهم أن هذه المواقف لرئيس الجمهورية، بما تحمله من نبرة إيجابية رغم قساوة الواقع، تعيد إدخال عنصر الأمل إلى المعادلة السياسية، كخيار مبني على الوقائع. ففكرة "قيامة لبنان" التي حضرت في خلفية الكلام، لم تُطرح كحلم بعيد، بل كمسار يبدأ من تثبيت الاستقرار، مرورًا بإدارة الأزمة، وصولًا إلى إعادة بناء الدولة. وهي، في هذا المعنى، مشروع سياسي يتطلب إرادة داخلية وتقاطعات خارجية، بدأت ملامحها تظهر في مواقف عون، وقد تتبلور أكثر في المرحلة المقبلة.