آخر الأخبار

اسرائيل تغتال الشهود…. وتفبرك الرواية!

شارك
يعكس استهداف الصحافيين في ساحات الحرب طبيعة الصراع نفسه، إذ يتقدّم المراسل إلى خط المواجهة بصفته شاهداً على الأحداث في بيئة عالية المخاطر، حيث لا تقتصر المواجهة على الميدان وحسب بل تمتد إلى الرواية أيضاً، ليغدو نقل الوقائع جزءاً من معركة مفتوحة على المعنى والتأثير.

وفي هذا الإطار، تربط إسرائيل كل عملية استهداف لصحافي باتهامات مباشرة تضعه خارج صفته المهنية، فتقدّمه كجزء من بنية عسكرية أو كعنصر يؤدي دوراً يتجاوز العمل الإعلامي، وتطرح هذا الاتهام كدليل دامغ تبني عليه لتبرير الجريمة وتأمين غطاء مسبق لها.

لم يقف هذا الإجرام عند حالة واحدة، بل تكرّر مع صحافيين نقلوا الوقائع من الميدان، وفرضوا حضوراً إعلامياً أربك الرواية الإسرائيلية وقيّد قدرتها على التحكم بالصورة، ومع هذا الحضور المباشر تراجع تأثير الخطاب العسكري الإسرائيلي على مستوى الداخل، كما فقد فاعليته في البيئة الحاضنة للمقاومة في لبنان ، إذ اصطدمت روايته بوقائع موثّقة بالصوت والصورة، فحافظت على تماسك المعنويات وقلّصت مفاعيل الحرب النفسية.

من هنا، يبرز اسم علي شعيب كصحافي ميداني عمل لسنوات في جنوب لبنان وعلى طول المنطقة الحدودية، حيث راكم معرفة دقيقة بتفاصيل الأرض وخطوط التماس، ووثّق الأحداث بالصوت والصورة ونقلها بشكل مباشر ومتواصل إلى الرأي العام. وبعد أن نفّذ العدو جريمته بحق علي شعيب والمراسلة فاطمة فتوني التي كانت برفقته الى جانب فريق العمل، سارعت الصحافة الإسرائيلية إلى ربط اسمه بعمل استخباراتي استناداً إلى روايات صادرة عن جهات رسمية، في مسعى لتبرير اغتياله وإضفاء مشروعية عليه، علماً أن طبيعة عمله المهنية العلنية لا تنسجم مع أي نشاط يقوم على السرية والكتمان.

وإذ شكّل أداء شعيب نموذجاً متقدّماً للعمل الصحافي في الميدان، بما جمعه من سرعة في نقل الوقائع ودقّة في توثيقها وقدرة على الوصول إلى موقع الحدث، حيث تحوّلت هذه المهنية بحد ذاتها إلى مصدر إزعاج وقلق للعدو الإسرائيلي، لأنها حدّت من قدرته على فرض روايته، ودفعته إلى التعامل مع الصحافي كجزء أساسي من الحرب، فكان القرار بإسكاته.

ولا يتوقف هذا الاجرام عند حدود علي شعيب، بل يتجاوز ذلك إلى تعميم خطير، إذ إن تحويل المعرفة الميدانية، أو امتلاك شبكة مصادر إلى عناصر اشتباه، يضع أي صحافي يعمل في مناطق النزاع خارج الحماية المدنية ويحوّله إلى هدف مشروع، ما ينسف الأساس الذي يقوم عليه العمل الصحافي ويقوّض قدرته على أداء دوره.

هذا المشهد ليس جديداً، فمن فلسطين إلى لبنان تتكرّر الجرائم نفسها، إذ اغتالت إسرائيل شيرين أبو عاقلة خلال تغطيتها في جنين عام 2022 رغم وضوح هويتها الصحافية، وسارعت في الساعات الأولى إلى نفي مسؤوليتها واتهام مسلحين فلسطينيين بإطلاق النار، قبل أن تتراجع روايتها تدريجياً لتقرّ بأن الرصاص جاء من جهة إسرائيلية مع وصفه انذاك بأنه "غير مقصود"، في مسار رافقته محاولات للتشكيك لتفادي أي مساءلة. كما استهدفت في جنوب لبنان الصحافي عصام عبد الله خلال تغطيته، ما أدى إلى استشهاده وإصابة زملاء اخرين في الموقع نفسه، فيما تكرّر الاسلوب ذاته في غزة حيث جرى ربط صحافيين ميدانيين بحركتي " حماس " و"الجهاد الإسلامي" تمهيداً لتبرير اغتيالهم بهدف إسكات الصوت ومنع نقل الوقائع.

قانونياً، يُصنَّف الصحافيون ضمن الفئة المدنية بموجب القانون الدولي الإنساني ويتمتعون بالحماية الكاملة ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال القتالية، وهو مبدأ راسخ كرّسته اتفاقيات جنيف، ما يجعل أي استهداف متعمد لهم، أو إضفاء صفة عسكرية عليهم عبر تصنيفات فضفاضة، انتهاكاً خطيراً يرقى إلى جريمة حرب، ولا يكتسب هذا النوع من الأفعال أي شرعية بمجرد إطلاق ادعاءات أو فرض رواية أحادية، بل يتطلب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، وهو ما يجري الالتفاف عليه بصورة متكررة.

ما يجري اليوم لا يحتمل الاكتفاء بالتنديد، بل يفرض على الدولة اللبنانية تحركاً مباشراً على المستويين الدبلوماسي والقانوني لوضع هذه الجرائم أمام الهيئات الدولية وملاحقتها، كما يضع وزارة الإعلام أمام مسؤولية لا يمكن التهرب منها، إذ لا ينسجم صمتها مع حجم الاستهداف الذي يطال الصحافيين، ولا مع دورها المفترض في الدفاع عنهم، لأن حماية الصحافيين تُعدّ التزاماً وطنياً وأخلاقياً لا يقبل التراخي.

يواصل الصحافيين في الميدان عملهم تحت الخطر، يتمسكون بمواقعهم وينقلون الوقائع بدقة في مواجهة محاولات الطمس والتشويه، ويشكّل حضورهم في قلب الحدث جزءاً من معادلة الصمود نفسها، إذ يعملون بثبات على حماية الرواية من التحريف، فيما يمعن العدو الإسرائيلي في استهدافهم لإسكات هذا الصوت. ومع كل صحافي يغتاله العدو يتأكد أن العدوان لا يتوقف عند حدود الأرض والشعب، بل يمتد ليطال الحقيقة أيضاً.

لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا